الأحد، 1 يناير 2012

اللواء حمدى بخيت: شرعية الجيش مصدرها الثورة والدستور


  حوار   داليا عثمان    ١/ ١/ ٢٠١٢


أكد اللواء حمدى عبد الله بخيت، المحلل الإستراتيجى، أن شرعية المجلس العسكرى فى تولى إدارة شؤون البلاد جاءت وفق ظروف دستورية وثورية، لافتا إلى الاختلاف بين ثورة ٢٥ يناير، وثورة ٢٣ يوليو، التى قام بها الجيش وساندها الشعب.
وقال «بخيت» فى حواره لـ«المصرى اليوم» إن صعود التيار الدينى للرئاسة فى مصر من رابع المستحيلات، رغم فوز التيار بأغلبية البرلمان، معربا عن اعتقاده بأن الظروف الراهنة لا تسمح بانتخاب أى شخص ذى مرجعية عسكرية، نتيجة الموروث السيئ الذى تركه الرئيس السابق، حسنى مبارك، فى هذا الشأن.. وإلى نص الحوار.
■ بعد مرور عام على ثورة ٢٥ يناير وتولى المجلس العسكرى إدارة البلاد، ما تقييمكم لشرعية المجلس؟
- هذه الشرعية جاءت طبقا لظروف دستورية وثورية، بمعنى أنها شرعية مختلطة، فدستور ٧١ سقط بسقوط الرئيس السابق، ولا توجد مادة دستورية تقول إن المجلس هو الذى يحكم، لكن شرعيته جاءت باستفتاء شعبى، عندما رحب الشعب بنزول الجيش وقياداته إلى الشارع، وتعالت الأصوات بهتاف «الجيش والشعب إيد واحدة» فى جميع ميادين مصر، والقوات المسلحة راضية عن دورها فى هذه الفترة، أما الجزء الثورى فى هذه الشرعية فقد أتى بسقوط النظام السابق، وانتقال الشرعية للشعب والثوار، وكانت هناك مادة فى الدستور تقضى بأن القوات المسلحة على مدى التاريخ الطويل مسؤولة عن الشرعية الدستورية، فأصبحت مهمتها حماية هذه الشرعية المتمثلة فى الشعب والثورة.
■ لكن المجلس العسكرى واجه انتقادات كثيرة فى الفترة الماضية حول طريقة إدارته شؤون البلاد؟
- من الذى يقول هذا، وما حجمه وتوجهاته؟ هل يمثل الأمة، أم يمثل القلة؟ فقد أثبتت كل المواقف أنهم قلة، والشعب الذى سلم هذه الشرعية للقوات المسلحة رد بأن هذه الأصوات لا تمثله، بدليل المظاهرات التى خرجت فى ميدان العباسية، وغيره من الميادين فى محافظات مختلفة، والدليل الآخر أنه فى مقابل الأحاديث التليفزيونية التى تتحدث عن انسحاب المجلس العسكرى، نجد صوت العامة ينادى بعكس هذا، لأن القوات المسلحة هى الدرع الواقية التى لا بديل لها، ونحن نثق فى إدارتها شؤون البلاد، وإذا كانت القوات المسلحة ستسلم السلطة، فلمن تسلمها؟، وهل سيكون ذلك عن طريق توافق سياسى أم لا، ثم ماذا بعد عودة القوات المسلحة لثكناتها فى ظل هذا التدهور الأمنى، فألوان الطيف السياسى لا تتفق على بديل، وليس لها شرعية أو لديها إجماع على اختيار أحد بعينه، وبالتالى كان رد القوات المسلحة أكثر عنفا وحدة، عندما قالت إنها مستعدة لترك إدارة البلاد، بشرط إجراء استفتاء شعبى، لأنها متأكدة من أن الشعب لن يوافق.
■ ذكرت أن التاريخ يشهد على أن القوات المسلحة مسؤولة عن الشرعية، فهل يريد الجيش تطبيق تجربة ١٩٥٢؟
- البعض يطلق على ثورة يوليو «انقلاب»، وآخرون يقولون إنها ثورة، لكن الثورة ليست مقصورة على فئة معينة، ولا تيار سياسى أو جماعة بعينها، بل تعبر عن كل أطياف الشعب، وبالتالى لا ينبغى أن تحكم فئة معينة على ما يتخذه المجلس العسكرى من إجراءات، ومن يقول إن الجيش يفعل مثلما فعل فى ثورة ١٩٥٢ أنصحه بأن يقرأ التاريخ، فثورة ١٩٥٢ قام بها الجيش وساندها الشعب، وثورة ٢٥ يناير قام بها الشعب وحماها وساندها الجيش، فالمفهوم مختلف والمنطوق مختلف، وتصرف القوات المسلحة فى ١٩٥٢ يختلف عما فعلته فى ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، وبالتالى فالحكم على دور القوات المسلحة بأنه مشابه لدورها فى ثورة يوليو خال من الدقة والعمق والقراءة الصحيحة للأحداث.
■ لكن البعض يرى أن الجيش يحاول تطبيق تجربة يوليو ١٩٥٢ ليبقى فى السلطة فترة أطول، فهل من مصلحة المجلس العسكرى البقاء فى الحكم؟
- الوضع مختلف، ففى ١٩٥٢ كانت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية سليمة، أما فى ثورة ٢٥ يناير فتدخل الجيش، ونزل الشارع بعد انهيار الأجهزة الأمنية على كل مستوى، وبالتالى فإن دور القوات المسلحة فيها كان أكثر تعقيدا، إذ عملت على محورين: القيام بدور الأجهزة الأمنية لأنها انتهت وانهارت، وفى الوقت ذاته، حماية مرافق الدولة وأهدافها، بالإضافة إلى حماية الحدود على الجبهات المختلفة الشرقية والغربية والجنوبية، ورأينا تدهورا فى الحالة الأمنية أدى إلى انفلات أمنى فى المناطق الحدودية، كاد يؤدى إلى وقوع حرب بين مصر ودول الجوار، وزادت الأضرار بانتشار حوادث تهريب الأسلحة والعملاء، ما يهدد الأمن القومى، ومع كل هذا تعددت مهام القوات المسلحة، واستدرجت إلى أمور أخرى غير المهام التى يمكن أن تسند إليها فى مثل هذه الظروف، ومنذ البداية أكدت القوات المسلحة أنها لا تسعى لخطف السلطة، ولو كانت تريد ذلك، لما حمت الثورة والثوار فى المراحل الحرجة، وكانت ردت على العبارات التى كتبها الثوار على الدبابات وطالبت بسقوط «مبارك»، ولما بذلت كل هذه الجهود لحماية مصر داخليا وخارجيا، وتحملت عبء حماية المنشآت الحيوية على مدار عام كامل، فعندما نقف عند هذه التعقيدات تظهر إخفاقات، لكنها ليست نتيجة إهمال القوات المسلحة فى تنفيذ مهامها، فلا يوجد تعاون من النخب السياسية والأحزاب والتكتلات فى نشر الأمن والاستقرار، لأنهما ليسا مسؤولية الأجهزة الأمنية فقط، بل مسؤولية المواطن والتجمعات والائتلافات والأحزاب والمنظمات أيضا.
■ أشرت إلى أن هناك إخفاقات ليست نتيجة إهمال القوات المسلحة، لكن هناك من يرى أن الجيش أخفق كثيرا وسمح بصعود الإخوان المسلمين؟
- التيارات الدينية كانت موجودة فى الشارع منذ أكثر من ٨٠ عاما، وما حدث أن التحديات التى واجهتها هذه الجماعات أدت إلى ظهورها، ففى كل مرة كانت تحاول الظهور تقهر وتضطر للعمل تحت الأرض فى بعض الأحيان، وسمح لها بدخول الانتخابات فى ٢٠٠٥ و٢٠١٠ وتم تزويرها، وبالتالى فهذه الجماعات ليست وليدة الساعة، لكنها لم تجد المناخ الديمقراطى لكى تعلو، ما يوضح لنا أن القوات المسلحة حريصة على الوقوف على مسافة متساوية من الجميع، والتيار الدينى أكثر التيارات تنظيما وتأهيلا لقيادة الحياة السياسية، وهذا ليس عيبا فى المناخ الذى ظهرت فيه هذه التيارات، ولا القوات المسلحة، ولا الإخوان، لكن التيارات الأخرى حديثة العهد بالسياسة، وغير منظمة، وهذه المرحلة أوضحت أن التيار الدينى قادر على قيادة الأغلبية فى مجلس الشعب.
■ هناك مخاوف من تأثير التيار الدينى على إعداد الدستور فما تعليقك؟
- ليس صحيحا أن تضع الأغلبية فى البرلمان الدستور، ويجب أن تشارك فى إعداده كل طوائف الشعب، والمشكلات التى سيواجهها التيار الدينى تحتاج إلى إمكانيات وقدرات كبيرة، فضلا عن الأزمة الراهنة التى تمر بها مصر من صعوبات اقتصادية، وتقلص حجم الاحتياطى النقدى، وكل هذه التعقيدات تحرم هذا التيار الدينى من تنفيذ ما يطمح إليه، وعندما لا يجد الشارع حلولا لمشكلاته سيرفض هذا التيار.
■ هل ترى أنه من المحتمل نشوب صدام بين التيار الدينى الذى سيطر على مجلس الشعب، والقوى السياسية الأخرى والمجلس العسكرى عند إعداد الدستور؟
- لن يكون هناك تصادم عند وضع الدستور، إذا لجأنا إلى منطق الدستور نفسه، وهو أنه لابد أن يعبر عن الأمة بجميع أطيافها، ولن يتحقق ذلك إلا باختيار لجنة تأسيسية لصياغة الدستور تعبر عن كل أطياف المجتمع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وعلميا وعسكريا وأمنيا.
■ وماذا عن وضع مصر الإقليمى بعد ظهور التيار الدينى؟
- لا أريد ربط وضع مصر إقليميا بوجود تيار معين فى مجلس الشعب، فليس بالضرورة أن يؤدى التيار الدينى إلى نوع من الخلل فى وضع مصر إقليميا، بل من الممكن أن يخلق شبكات جديدة من العلاقات لمصر، بحيث تترسخ علاقاتها فى اتجاهات، وتقل فى اتجاهات أخرى، وسيبقى وضع مصر الإقليمى كما هو، وهذا يتوقف على فهم التيارات الدينية طبيعة إدارة البلاد فى المرحلة القادمة، فثقل مصر الإقليمى لا يتغير، لكن أداءها فى منظومة الإقليم هو الذى سيتغير، وهذا لا يتوقف على مصر فقط، بل على جيرانها أيضا والقوى الإقليمية والدولية حولها. نحن لا نريد أن نحكم على تيار دينى بأنه ضار قبل أن يمارس دوره، لأن ممارسة السياسة لها قواعد، والتوازن بين السلطات المختلفة للدولة هو الذى سيخلق التوازن السياسى.
■ كيف ترى رؤية المجلس العسكرى لمستقبل مصر سياسيا واقتصاديا واجتماعيا؟
- المجلس الأعلى للقوات المسلحة ليس منوطا به تحديد رؤية سياسية أو مستقبلية لمصر، ودوره إدارة البلاد خلال فترة انتقالية إلى أن يسلم السلطة إلى رئيس جمهورية منتخب، وقد بدأ فى تسليم السلطة التشريعية، وعلى المرشحين للرئاسة تحديد رؤيتهم لمستقبل مصر، وكيفية مواجهة التحديات التى تواجهها.
■ أكد المجلس العسكرى فى خطاباته أنه سيتم تسليم السلطة فى ٣٠ يونيو ٢٠١٢ فهل سيأتى الرئيس القادم من الجيش، أم التيار الدينى، أم سيكون رئيسا توافقيا؟
- من رابع المستحيلات أن يفوز تيار دينى بانتخابات الرئاسة، فالقوة الانتخابية للتيار الدينى لن تعلو على أصوات القوى الأخرى، والشعب يمتلك كل السلطات، فلماذا نريد الرجوع للخلف؟، ولماذا لا نريد أن نؤمن بأن حق التظاهر السلمى مكفول؟، والميادين موجودة، وكل هذه ضمانات بأن الرئيس القادم لن يعمل لصالح أى فئة سواء الإخوان أو السلفيين أو غيرهما، وسيكون رئيسا لمصر كلها.
■ هل ترى أنه من الأفضل لمصر أن يتولى السلطة رئيس عسكرى؟
- لا المجلس الأعلى للقوات المسلحة ولا العسكريون قالوا إنهم تواقون لشغل المنصب، وتم حسم هذا الأمر منذ البداية بقولهم: «لا نطمح ولا نطمع فى رئاسة الجمهورية، وإذا كان هناك مرشحون للرئاسة ذوو خلفية عسكرية، فأعتقد أن هذه الظروف لا تسمح بانتخاب شخص منهم، نتيجة للموروث السيئ الذى خلّفه الرئيس السابق، الذى كان ذا مرجعية عسكرية، رغم أن هذا الموروث يتنافى مع رصيد المؤسسة العسكرية لدى الشعب، حيث كان الجيش داعماً له فى أوقات الأزمات، وأثبتت القوات المسلحة مصداقيتها فى تلبية احتياجاته.

المصريون يشهرون سلاح النكتة ضد الجيش والثوار والانتخابات


    دارين فرغلى    ١/ ١/ ٢٠١٢

سخرية أو محاولة للهروب من واقع أليم، أو ربما خفة ظل تميز بها المصريون بمرور السنوات، تعددت الأسباب وبقيت النكات التى يطلقونها ويتداولونها عبر مواقع التواصل الاجتماعى لتؤرخ لمرحلة ما بعد الثورة، شاهدة على الشرعيات الثلاث: الجيش، والثورة، والانتخابات.
لم يترك المصريون واقعة أو حدثا إلا تناولوه بالسخرية، فأطلقوا النكات على الجيش تارة، والثوار تارة ثانية، وصناديق الانتخابات تارة أخرى، وسطروا بخفة ظلهم خطوط المرحلة، بكل ما فيها من تفاصيل.
وكان للمجلس العسكرى نصيب الأسد من النكات التى تدفقت كالسيل عبر «فيس بوك» و«تويتر» مع كل حدث جديد، أو حتى تصريح لأحد أعضاء المجلس، وكانت نقطة البداية مع أحداث ماسبيرو، التى سخر منها الشباب قائلين: «تحذير بعد انتشار ظاهرة سرقة المدرعات بتاعت الجيش، رقم واحد: حاول ماتنساش مفتاح المدرعة فى الكونتاكت، اتنين: ماتسبهاش دايرة وتنزل تجيب حاجة، تلاتة: ماتسيبش المفتاح أبدا لسايس الجراج، أربعة: تركيب جهاز إنذار للمدرعة».
وردا على البيانات المتتالية التى يصدرها المجلس العسكرى عقب كل حدث، قالوا: «الرسالة رقم (٩٢) من المجلس العسكرى، فاضلك ٨ رسايل ونحتفل بالمئوية»، وفور تعيين الدكتور كمال الجنزورى رئيسا للوزراء، انطلقت عاصفة شديدة من النكات تعبيرا عن اعتراض الشباب على كبر سنه، فقالوا: «بيقولك اللورد كرومر هو اللى اقترح الجنزورى»، و«الجنزورى يستدعى صلاح الدين الأيوبى لقيادة مليونية الإخوان غدا»، و«مرتضى منصور ماسك على الناس كلها (سى دى) إلا الجنزورى ماسك عليه (فلوبى ديسك)»، و«الجنزورى يأمر بتشكيل لجنة تقصى حقائق للوقوف على أسباب تأخر تسليم السيارات الدوجان والشاهين والتلاجات الإيديال الـ١٠ قدم».
وعقب أحداث شارعى محمد محمود وقصر العينى، التى راح ضحيتها عشرات الشهداء، وتبعتها اتهامات للثوار بالبلطجة وإتلاف المنشآت، حاول المصريون الهروب من حزنهم على ضحايا الأحداث بالهروب إلى عالم النكات.
وعرف الثوار الفترة الانتقالية فى مصر بـ«الفترة التى ينتقل فيها أكبر عدد من المواطنين إلى الرفيق الأعلى»، وأمام العنف الذى واجهت به قوات الجيش المتظاهرين فى الأحداث الأخيرة، لم يجد الشباب أمامهم إلا أن يقولوا: «الجيش أقسم على حماية ممتلكات المصريين، مش المصريين، وفى حالة الهجوم عليك إعمل نفسك مبنى».
أما الانتخابات فقد تعامل معها المصريون بسخرية شديدة، فأمام الحرب الشرسة التى نشبت بين القوى المتصارعة على كعكة البرلمان، أبدع المصريون فى تشخيص تلك الحالة، بعيدا عن التنظير السياسى أو التحليل الفلسفى، فعلى سبيل المثال، لم يستطع الشباب، أمام الفوز الساحق للإسلاميين فى الانتخابات، أن يمنعوا أنفسهم من إطلاق النكات على مرحلة جديدة قادمة، فقالوا: «ستصبح أفلام ٢٠١٢ كالتالى: السبحة لا تزال فى جيبى، الناصر حسن البنا، البعض يذهب للمرشد مرتين، الأخ عمر والأخت سلمى، السعودية رايح جاى، سلفى فى الجامعة الأمريكية، الإخوان والكباب، السجادة الخالية، فى بيتنا إخوانجى، جعلتنى ليبراليا، إزاى تخلى الأخوات تحبك؟ التجربة الماليزية، كده رضا وألف حمد وشكر لله».
وعن الصراع المتوقع بين القوى الإسلامية والليبرالية فى برلمان ما بعد الثورة، تداول الشباب عبر مواقع التواصل الاجتماعى، نكات مثل: «الخلاف الأيديولوجى فى البرلمان من الآن فصاعدا سيكون شعر ولا دقن»، و«أول مشروع قرار لحمزاوى، الفلانتين أجازة رسمى».
ووضع المصريون بعض التوقعات لأهم القرارات التى ستتخذها القوى الإسلامية بعد فوزها مباشرة، فقالوا: «هيغيروا اسم الطريق الدائرى إلى الطريق المستقيم»، و«أقوى شتيمة هتكون ثكلتْك أمك»، و«محال التوحيد والنور الشعبية هتفتح فى سيتى ستارز»، و«تعديل الـ(كى بورد) بأجهزة الكمبيوتر ليشمل كلمة إن شاء الله بعد كلمة (إنتر)»، و«لما تكلم حد على الهاتف، ويكون مغلق، تظهر الرسالة الصوتية (الرقم المطلوب مغلق والله وأعلم)».
أما متظاهرو ميدانى «العباسية» و«التحرير» فقد تبادلا النكات للسخرية من بعضهم البعض، فأطلق متظاهرو العباسية على ثوار التحرير بعض النكات اعتراضا منهم على استمرار الاعتصامات، ورفضهم أى حلول واقتراحات يقدمها المجلس العسكرى فقالوا عنهم: «اقتراح للحكومة لإرضاء الثوار: وزير الخارجية (علاء الدين)، وزير التعليم (عبقرينو)، وزيرة المرأة (سندريلا)، وزير الدفاع (جريندايز)، وزير الداخلية (كونان)، وزير الشباب والرياضة (كابتن ماجد)، وزير المالية (على بابا)، وزيرة الموارد المائية (السمكة نيمو)، وزير السياحة (بكار)، وزير النقل (سابق ولاحق)، رئيس المخابرات (رجل المستحيل)».
أما ثوار التحرير فتنافسوا أيضا فى إطلاق النكات على مليونيات العباسية، مثل: «هتافات العباسية: قلعنى حتة حتة.. واسحلنى فى أى حتة، أنا كنت بحب مبارك.. دلوقتى بحبك إنت».

«التحرير».. لسان جاد ساخر قوى


       ١/ ١/ ٢٠١٢
تصوير - أدهم خورشيد
ثورة الطلاب
عام يوشك أن ينقضى على فورة الميدان، تحول خلالها فى عيون البعض من أيقونة للفخر إلى مصدر للألم والمنغصات، وبعد أن كان الميدان - وعاء الثورة ورحمها - هو وحده من يمنح الشرعية لمن يُمسك بزمام السلطة، تحول على يد بعض من منحهم شرعيته إلى فاقد لها.
استمد الميدان شرعيته من ٣ مصادر هى إسقاطه نظام مبارك، وطموحه المتصل للارتقاء بالوطن، وقدرته الفائقة على التعبير عن المطالب الأصيلة للجماهير، وحين تماسكت بقايا نظام مبارك، وانخفض سقف آمال المصريين فى ثورتهم إلى حد الاكتفاء فقط باستعادة الأمن على الأرواح والممتلكات، بعد أن عاث البلطجية فسادًا فى البلاد، أصبح الميدان منفصلاً عن الجماهير، لكنه ظل محتفظًا بشرعية كونه ضمير الوطن، وصوت ثورته الأصيل.
احتفظت شعارات الميدان وهتافاته ولافتاته وكاريكاتيراته وخطبه وقصائده بمكانتها كأدوات للتعبير عن نبضه ومعانيه، لكن بهجة الأعلام المرفرفة، وروح الفكاهة الساخرة كانت تتسرب منه، كلما بدا حلم تحقيق أهداف الثورة بعيد المنال، خاصة بعد أن تجدد سفك دماء شبابه، رغم تغير شارة من يُلقى أوامر القتل، ومن يضغط الزناد.
حافظ خطاب ميدان التحرير - كما تجلى فى موجته الثانية نوفمبر الماضى - على ثوابته كخطاب ثورى، لا يفاوض ولا يساوم ولا يقبل أنصاف الحلول، هذه الحدية التى كانت مصدر قوته فى الماضى، بدت مصدر ضعفه فى الوقت الراهن، لأنها تضعه فى مواجهة خطاب التهدئة والحلول الوسط، الذى تزداد شعبيته يومًا بعد يوم، كما بدا خطاب الثوار، فى بعض الأحيان، عاجزاً عن التعامل مع حقيقة تغير موازين القوى على أرض الواقع لغير صالحه.
نالت الهجمة الإعلامية الأخيرة على ميدان التحرير من الرأسمال الرمزى لخطاب الثورة والثوار، فقد شوه الإعلام الحكومى فعل الاحتجاج، من خلال ربطه بالتدمير والتخريب، وشوه الثوار بواسطة تصويرهم على أنهم بلطجية، ولم ينج ميدان التحرير ذاته - بوصفه مكاناً - من التشويه بواسطة إلصاقه بسيناريوهات الفوضى والخراب، واستخدم الإعلام فى هذه الهجمة كل الأساليب المتاحة للتشويه، بداية من تقديم صور داكنة لمتظاهرى التحرير، فى مقابل صور زاهية لتجمعات العباسية، وانتهاءً بعرض صور مفبركة لمتهمين جنائيين، وتقديمهم على أنهم من شباب الميدان، مرورًا بتصوير أطفال الشوارع فى بعض المناطق الشعبية، وعرضها على الشاشة على أنها ملتقطة من قلب ميدان التحرير، والآن بدا بعيدًا ذلك الزمن الذى كان يدرك فيه المواطن العادى المحتجين بوصفهم ثوارًا، حين كان ميدان التحرير قبلة يحج إليها المتشوقون للعزة والكرامة.
على الرغم من نجاح حملات تشويه خطاب التحرير فى إفقاده الشرعية التى يمنحها له تأييد الجماهير، فإن هذا الخطاب سوف يستمر فى الوجود والتأثير، يرجع ذلك إلى أن خطاب التحرير، ربما كان الأكثر تعبيرًا عن المصالح الحقيقية للمصريين، فهو خطاب غير نفعى، لا يسعى لتحقيق مصالح تخص منتجيه، وهو ما يمكنه أيضاً من مقاومة محاولات تشويهه على المدى البعيد.

الشرعيات الثلاث: «توحد».. «تشتت».. فـ«صراع»



    أحمد رجب    ١/ ١/ ٢٠١٢


اجتمعت مصالح القوى الثلاث - بشكل أو بآخر - على هدف واحد: إسقاط النظام ومعه مشروع التوريث. ومع مرور «أشهر اكتشاف المصالح من جديد»، ذهبت كل من القوى الثلاث - ثوار الميدان والمجلس العسكرى والإسلاميون - إلى حال سبيلها وتحقيق أهدافها، فاختلف الحال من «التوحد» إلى «التنافر»، وصولاً لمرحلة «التعارك»، وإن رأت كل من القوى الثلاث أنها تمتلك «الشرعية». الآن، يستمر ثوار الميدان على ثورتهم بحثاً عن «تحقيق أهداف الثورة»، التى يرونها تسرق، والقصاص لدماء شهداء يرونها تهدر، وتحقيق الحرية والكرامة والديمقراطية حتى يرونها ما زالت بعيدة المنال. وبينما هذا حال الثوار، يجىء الدور على الإسلاميين، الذين جنوا بالانتخاب «شرعية الصندوق»، حتى أصبحت مسيطرة على معظمهم فكرة «نحن المتحدثون باسم الشعب.. ومن حقنا أن نفعل ما نشاء.. لا ثوار التحرير.. ولا المجلس العسكرى». أما المجلس العسكرى، فما زالت الأحداث المتلاحقة تخصم من رصيده وشرعيته، وإن أصبحت تطارده «هواجس العودة» بأسئلتها الصعبة: هل يعود إلى ثكناته.. ومتى.. وكيف.. وما الذى يضمن له الحصانة فى الدستور الجديد؟ تلك هى مناطق التشابك التى نحاول رصدها بين الشرعيات الثلاث.
المواقف المتشابكة
يناير
الملايين فى الميادين يطالبون بـ«العيش والحرية والعدالة الاجتماعية»، قبل أن تتطور مطالبهم لتصل إلى «إسقاط النظام».
■ المواقف:
- الميدان: موافق.
- الإسلاميون: موافقون.
- المجلس العسكرى: حياد.
فبراير
الجيش يستخدم العنف المفرط لفض اعتصام الميدان، فأعلن الثوار عن مخاوفهم من «نوايا العسكرى».
- المجلس العسكرى يصدر بيانه رقم ٢٢ يعتذر فيه عما حدث تحت عنوان «اعتذار.. ورصيدنا لديكم يسمح».
- المجلس فى بيانه رقم ٢٤ يتحدث، لأول مرة، عن «عناصر مدسوسة تحاول إفساد الثورة».
■ المواقف:
- الميدان: رافض.
- الإسلاميون: موافقون.
- المجلس العسكرى: اعتذار.
مارس
الخلاف يتصاعد بين القوى الثورية فى الميدان والإسلاميين والمجلس العسكرى حول الموقف من التعديلات الدستورية وطرحها للاستفتاء.
■ المواقف:
- الميدان: رافض.
- الإسلاميون: موافقون.
- المجلس العسكرى: موافق.
يونيو
الخلافات بين الثوار والمجلس العسكرى تزداد بعد أحداث مسرح البالون الدامية، بينما ينفصل الإسلاميون عن المشهد.
- عاصم عبدالماجد، المتحدث باسم الجماعة الإسلامية، يصف المتظاهرين فى الميدان بأنهم «بلطجية».
■ المواقف:
- الميدان: اشتباك.
- الإسلاميون: إدانة.
- المجلس العسكرى: اشتباك.
يوليو
عشرات الآلاف من الإسلاميين يتظاهرون فى ميدان التحرير، تحت شعار «جمعة لم الشمل» ويرددون هتافات تنادى بإقامة دولة إسلامية.
- الفريق سامى عنان يتحدث بعد ذلك عن أن «مدنية الدولة خط أحمر».
■ المواقف:
- الميدان: دولة مدنية.
- الإسلاميون: دولة دينية.
- المجلس العسكرى: دولة مدنية.
أكتوبر ونوفمبر
أحداث شارع محمد محمود والاشتباكات القاتلة بين الثوار وقوات الأمن من الجيش والشرطة تكشف عن مواقف مختلفة.
- الفجوة بين الثوار والإسلاميين تزداد اتساعا ونفوراً من جانب كلا الطرفين.
■ المواقف:
- الميدان: اشتباكات، ومطالبة باختصار الفترة الانتقالية.
- المجلس العسكرى: اشتباكات، ورفض لاختصار الفترة الانتقالية.
- الإسلاميون: مشاهدة، ومطالبة بانتخابات رئاسية بعد البرلمانية مباشرة.
ديسمبر
الثوار يطالبون بإسقاط حكومة شرف، وتشكيل مجلس رئاسى مدنى، والمجلس العسكرى يقبل استقالة حكومة شرف، ويكلف الجنزورى بتشكيل الحكومة الجديدة.
- جماعة الإخوان المسلمين ترفض اقتراح الثوار، وتصدر بياناً يقول «إن هذه المطالب لن تحل الأزمة، لأن القضية باتت فيمن يحرك الفتن والأزمات».
- عاصم عبدالماجد، المتحدث باسم الجماعة الإسلامية، يتحدث عن إمكانية التدخل بالقوة لـ«تطهير ميدان التحرير من المعتصمين».
■ المواقف:
- الميدان: رفض حكومة الجنزورى، والمطالبة باختصار الفترة الانتقالية.
- المجلس العسكرى: اشتباكات، ورفض اختصار الفترة الانتقالية.
- الإسلاميون: حياد.. وتركيز فى الانتخابات.
مسلسل العنف
٢٦ فبراير
قوات الشرطة العسكرية تستخدم العصى الكهربائية، وإطلاق الأعيرة النارية فى الهواء بهدف تفريق حشود المعتصمين فى ميدان التحرير.
٩ مارس
قوات الجيش تفض اعتصام ميدان التحرير بالقوة، وتزيل الخيام، وتلقى القبض على العشرات بشكل عشوائى، وتحتجز عددا من المعتصمين بمبنى المتحف المصرى.
٩ أبريل
استخدام الرصاص الحى والشرطة العسكرية تطلق قنابل الغاز المسيل للدموع فى ميدان التحرير، مما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة ١٨ آخرين.
٢٨ يونيو
تجدد المواجهات بين الثوار والجيش فى واقعة «مسرح البالون»، وإصابة أكثر من ١٠٠٠ شخص، خاصة بعد انتقال المعارك من أمام مسرح البالون إلى ميدان التحرير.
١ أغسطس
قوات الشرطة العسكرية بمعاونة قوات الأمن المركزى تحاصر ميدان التحرير، وتفض اعتصاما صغيرا تبقَّى من مظاهرات يوليو بالقوة، مستخدمة ٤ مدرعات و١٥ سيارة أمن مركزى.
٩ أكتوبر
مسيرة للأقباط من دوران شبرا إلى ماسبيرو، احتجاجاً على هدم كنيسة الماريناب بأسوان، قبل أن تتطور إلى اشتباكات بين قوات الجيش والمتظاهرين، مما أسفر عن مقتل ٢٨ وإصابة ١٥٠ شخصاً.
١٩ نوفمبر
اشتباكات عنيفة فى اليوم التالى لمليونية «رفض وثيقة السلمى» بين المتظاهرين وقوات الأمن المركزى فى شارع محمد محمود تستمر نحو أسبوع، وتسقط ٤١ قتيلاً و٣٨٠٠ مصاب.
١٦ ديسمبر
اشتباكات بين المعتصمين أمام مجلس الوزراء وقوات الجيش التى تؤمن المبنى، تستمر عدة أيام، مما أسفر عن سقوط ١٧ قتيلا و١٩١٧ مصابا، بالإضافة إلى حرق المجمع العلمى.
تطور خطاب القوى الثلاث
يناير
■ أحمد حرارة: «الشعب يريد إسقاط النظام».
■ محمد البلتاجى: «الشعب يريد إسقاط النظام».
■ المجلس العسكرى: صمت كامل.
مارس
■ الثوار: الثورة أولاً.
■ الإخوان: الانتخابات أولاً.
■ محمد حسين يعقوب متحدثاً عن الاستفتاء: إنها كانت «غزوة الصناديق».
■ البيان ٢٨ لـ«العسكرى»: لا صحة لتأجيل انتخابات الرئاسة إلى ٢٠١٢.
مايو
■ الثوار يدعون لثورة الغضب الثانية: الشعب يريد إسقاط النظام.
■ الإخوان: الدعوة تعنى ثورة ضد الشعب والوقيعة بينه وبين جيشه.
■ «العسكرى»: إعادة إجراءات المحاكمات لجميع شباب الثورة.
يونيو
■ علاء عبدالفتاح: «وحدتنا هى الحل»
 ■ صفوت حجازى: «البلطجية هاجموا الداخلية».
■ «العسكرى»: أحداث الميدان تزعزع الاستقرار.
يوليو
■ الشهيد محمد محسن قبل سقوطه: «يسقط حكم العسكر».
■ الإسلاميون فى الميدان: «إسلامية.. إسلامية».
■ الفنجرى: «لن نسمح بالقفز على السلطة وتجاوز الشرعية لأى من كان».
أكتوبر
■ الثوار: الشعب يريد محاكمة مبارك.
■ بيان لـ«الإخوان»: الشعب والجيش إيد واحدة.
■ النائب العام: حبس الرئيس السابق على ذمة التحقيقات.
■ الثوار: الشعب يريد محاكمة المجلس العسكرى.
■ الإخوان: وضع مبادئ فوق دستورية انقلاب على الاستفتاء.
■ اللواء ممدوح شاهين: المجلس العسكرى لا يحتاج إلى مظاهرات تأييد، فالشعب كله معه.
ديسمبر
■ الثوار فى اشتباكاتهم مع الجيش: يسقط حكم العسكر.
■ محمد مرسى: أى محاولة لتهميش البرلمان التفاف على الإرادة الشعبية.
■ اللواء مختار الملا: البرلمان لا يمثل جميع قطاعات المجتمع.

الشرعيات الثلاث.. ما لها وما عليها



  كتب   هشام علام    ١/ ١/ ٢٠١٢

«الشرعيات والقوى الثلاث بما لها وما عليها».. تصور «تقييمى» تسعى «المصرى اليوم» لرصده عبر رسم جدول، استعانت خلاله بخبراء متخصصين ليرسم كل منهم صورة «موضوعية» عن سلبيات وإيجابيات كل شرعية على حدة دون الخوض فى أخرى أو مقارنة بها.
الدكتور حازم حسنى، أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية، بجامعة القاهرة يرصد ما للمجلس العسكرى وما عليه خلال الفترة المنقضية، كما يقوم بالمهمة ذاتها، فيما يخص شرعية الثوار مفنداً سلبياتهم وإيجابياتهم، بينما يتحدث عن شرعية الصندوق الدكتور سيف الدين عبدالفتاح، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، مختزلاً هذه الشرعية فى سلبيات وأداء التيارات الإسلامية باعتبارها صاحبة الكلمة العليا برلمانياً.
السلبيات


البطء فى اتخاذ القرار والميل لإبقاء الوضع على ما هو عليه

محاكمة المدنيين عسكريا

الإصرار على الاستفتاء على تعديل ٨ مواد من دستور ٧١ ثم تعطيل هذا الدستور من خلال الإعلان الدستورى

البطء فى المحاكمات

عدم تغيير سياسة الإعلام الحكومى فى تناول الأحداث وانتهاج سياسة تصعيدية لإدانة المحتجين

الانفراد بإصدار قوانين وتعديلات دون الدخول فى حوار وطنى مثل قانون مباشرة الحقوق السياسية

الإبقاء على عدد كبير من فلول الوطنى فى مناصب قيادية داخل الوزارات والهيئات الحكومية الكبرى

فض اعتصام التحرير ٩ مارس بالقوة

لم يتخذا الإجراءات اللازمة للسيطرة على الانفلات الأمنى

واقعة كشف العذرية على المتظاهرات داخل المتحف المصرى

اتهام المتظاهرين جزافياً بالعمالة لقوى خارجية دون محاكمة أو دليل

البطء فى تنفيذ مطالب الثورة وما يستتبعها من إجراءات تضمن نجاح الثورة

إخلاء اعتصام ١٩ نوفمبر بالقوة مما أسفر عن ٤٠ قتيلا

اللجوء للعنف فى فض اعتصام مجلس الوزراء مما أسفر عن سقوط ٨ شهداء وعشرات المصابين

التورط فى أحداث ماسبيرو

عدم وجود قنوات اتصال حقيقية مع الشباب والشعب والقوى السياسية الحقيقية

استخدام العنف المفرط فى فض المتظاهرين أمام السفارة الإسرائيلية

الإبقاء على القديم مثل حكومة شفيق واختيار وجه مثل الجنزورى وعدم طرح وجوه جديدة

اهتمامه بمصلحة المؤسسة العسكرية كان أكبر من إحساسه بمصلحة الدولة

إطلاق القوى السلفية والدينية المنفلتة دون ضبط عن طريق ضرب القوى الدينية والمدنية ببعضها

ترك عملية التسيب والانفلات أمنيا واقتصاديا وسياسيا فى الدولة دون أن يتدخل بشكل حازم

خلق حالة من الارتباك السياسى والدستورى منذ لجنة «البشرى» وحتى الآن

الإيجابيات

الانحياز للشعب وقت الثورة

تقديم التحية العسكرية للشهداء يوم ١١ فبراير

تأمين الانتخابات البرلمانية

تقديم مبارك ووزرائه للمحاكمة

التعهد بتسليم السلطة لهيئة مدنية

لم يعلن الأحكام العرفية

تغيير حكومة شفيق نزولا على رغبة الميدان

الاستجابة لمطلب إذاعة محاكمة مبارك

قرروا عدم إطلاق النار على المتظاهرين فى موجة الثورة الأولى

حافظ فى هذا الظرف على تماسك المؤسسة العسكرية

الإبقاء على مدنية الحكومة

ساهم فى خلق حالة من المشاركة الشعبية السياسية

الاقتصاد.. شهيد المرحلة الانتقالية


أبو العيون
مضى عام تقريبا على اندلاع ثورة ٢٥ يناير، ولا يزال النزيف مستمرا فى الاقتصاد المصرى، الذى يرى كثيرون أنه الضحية الأولى والأبرز لأحداث وتداعيات الثورة، وما شهدته من أخطاء ارتكبتها القوى الثلاث «المجلس العسكرى، والثوار، والأحزاب السياسية والقوى الإسلامية» ما ساهم فى تكبد الاقتصاد خسائر غير مسبوقة.
أرقام المؤشرات الاقتصادية ترصد بلا مجال للشك تكبد الاقتصاد خسائر «بالجملة»، منها على سبيل المثال لا الحصر استمرار نزيف احتياطى النقد الأجنبى لدى البنك المركزى، الذى انخفض إلى نحو ٢٠ مليار دولار، وفقا لأحدث التقارير الصادرة عن البنك، كما ارتفع عجز الموازنة العامة للدولة إلى ١٣٤ مليار جنيه، والرقم مرشح للزيادة إلى نحو ١٨٢ مليارا، كما تراجعت حصيلة السياحة، والاستثمار المباشر، ما ساهم فى تفاقم الأزمة، فضلا عن الاحتياجات التمويلية المقدرة بنحو ١٢ مليار دولار، وكذا تزايد عجز ميزان المدفوعات.
لم تشهد مصر خسائر اقتصادية بهذه الصورة حتى فى ظل حوادث الإرهاب، خلال فترة التسعينيات، أو خلال الأزمة المالية العالمية فى ٢٠٠٨.
ويرى خبراء الاقتصاد أن الأطراف الثلاثة «المجلس العسكرى، والتحرير، والقوى الاسلامية والحزبية» مسؤولون عن تردى الأوضاع الاقتصادية، لأنهم حسب قول أمير رزق، رئيس قطاع الحسابات الختامية السابق بوزارة المالية، يفتقرون إلى الخبرة، وليسوا على دراية بالملف الاقتصادى. ويحمل «رزق» المجلس العسكرى مسؤولية الانفلات الأمنى، وافتقاد المواطن الأمان خلال المرحلة الانتقالية، وعدم الاستقرار السياسى، ما أضر بالاستثمار خاصة الأجنبى.
وأضاف: المسؤولية الأولى تقع على «العسكرى» فى تردى الأوضاع الاقتصادية، باعتباره السلطة الحاكمة، والمسؤولة عن إدارة البلاد خلال هذه المرحلة.
ويرى خبراء أن المجلس العسكرى كان مبكرا فى المبالغة بشأن تردى الأوضاع الاقتصادية، لتخويف الثوار، ما جعل الناس يكرهون الثورة، ولفتوا إلى أن الرأى العام فوجئ بتصريحات اللواء محمود نصر، مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية، عضو المجلس، حول تناقص الاحتياطيات الدولية لدى البنك المركزى إلى ١٥ أو ١٠ مليارات دولار يناير المقبل، إذ كان من المأمول أن تصدر هذه التصريحات عن البنك المركزى.
ثمة مظاهر عديدة للأزمة الحالية، بدأت بالقلاقل السياسية، وما تلاها من تداعيات، انتهت بخفض التصنيف الائتمانى للاقتصاد المصرى، والسندات، و٥ بنوك كبرى، وارتبط هذا التخفيض أساسا، حسب قول الدكتور محمود أبوالعيون، محافظ البنك المركزى السابق، بدرجة الثقة فى القدرة المالية للدولة ودرجة الثقة فى استقرار المناخ الاستثمارى.
يضيف «أبوالعيون»: من نتائج ما حدث عقب الثورة، وما تبعها من قلاقل، اهتزاز الثقة الدولية لدى المستثمرين، والدول المانحة فى سرعة تحول الاقتصاد المصرى من الاستقرار المالى إلى القلاقل، وتبع ذلك الانخفاض المستمر فى الاحتياطيات الدولية من ٣٦ إلى نحو ٢٠ مليار دولار.
المظهر الخطير فى الأزمة والذى يحذر منه أبوالعيون هو ما تناقلته وكالات الأنباء ووسائل الإعلام خلال الفترة الأخيرة من تصريحات بعض رموز الأحزاب السياسية خاصة الإسلامية، حول بعض القطاعات المهمة والمولدة للنقد الأجنبى.
حكومة الإنقاذ الوطنى برئاسة الدكتور كمال الجنزورى مطالبة بأن تعلن خطوات مهمة ومحددة خلال الفترة المقبلة، ومنها أنه لا تأميم، أو مصادرة، أو رجوع عن اتفاقات لبيع أصول مصرية، مادامت هذه الاتفاقات تحصنت قانونا، بهدف إرسال رسائل طمأنة للداخل والخارج، هكذا يقترح المحافظ السابق للبنك المركزى.
الأوضاع السابقة لمصر كانت أفضل فيما يخص الاقتراض الخارجى، هكذا يقول مسؤول بارز بالبنك المركزى، وأضاف: كنا نفاوض من موقف قوى، فلم تكن الأوضاع ساءت بالشكل الراهن، وكلما تأخرنا زاد الوضع سوءا، خاصة مع تدهور الأوضاع الاقتصادية.

مصـــر الحائرة


  أشرف على الملف   علاء الغطريفى 

مصر المتحررة من قيد مبارك ونظامه مازالت تعيش أوضاعا معيشية صعبة ويحمل مواطنوها مشكلات جمة معظمها يتعلق بأساسيات فى الحياة، ومسؤولوها ينتظرون مساعدات شروطها مجحفة من الخارج لتدوير عجلة الاقتصاد، واحتياطياتها النقدية فى خطر، وشارعها مختلف حول طوق النجاة.
سيناريوهات التغيير الماثلة، بعضها رومانى أو أوكرانى وبعضها الآخر باكستانى أو جزائرى أو سودانى وأفضلها بعيد المنال لأن التوافق غائب، والمتشائمون يتذكرون النموذج الفرنسى للثورة لأنه مغموس بالدم وماحدث أيضا فى الثورتين البلشفية والصينية.
الأم تبحث دوما عن ابن ليكون سندا ونصيرا من غوائل الزمن والخطوب، وعندما يتعدد الأبناء ويختلفون، فإنها تسعى لأكثرهم برا ولأوفقهم نضجا وأرجحهم عقلا لتضع فيه المسؤولية وتمنحه القربى، وفى لحظات المخاض احتارت الأم فى البحث عن الناضج الذى يهديها السبيل فى الطريق الوعرة المعقدة المتشابكة التى تحوطها الأخطار والأنواء والمتربصون.
هكذا مصر مؤخرا منقسمة بين أبنائها، دخلت نفق الحيرة رغم الاتفاق فى يناير الذى علا على المصالح والأغراض، فالأبناء يتبادلون الاتهامات ويسعون إلى التعريض ببعضهم البعض، ويتنافسون ويتخالفون ويتعادون على خلفية الهوى، رغم أنهم لأم واحدة وأرض واحدة.
مصر الأم تدور حول الشرعيات الثلاث التى تشكلت بعد ثورة يناير العظيمة، فشرعية التحرير «الثوار» تنافس شرعية القوة «المجلس العسكرى» وشرعية صناديق الانتخاب «الإسلاميون» ووجه مصر القادم ومستقبلها القريب والبعيد تحددها معادلة الصراع بين الثلاثة، فإذا كان التوافق منهجا فالعبور من المأزق سيكون أقرب من حبل الوريد، وإذا كان الخلاف والعداء حاضرا فإن سيناريو الفوضى يلوح فى الأفق.
وأتذكر هنا كلمات الخال «عبدالرحمن الأبنودى» فى قصيدته «أحزانى العادية»:
إحنا شعبين شعبين شعبين
شوف الأول فين.. والتانى فين
وادى الخط ما بين الاتنين بيفوت
لسه العالم حى
رايح.. جاى
بيفرق بين الدكنة.. وبين الضى
بلدى مهما بتضيع.. مش هتضيع
وإذا كانت مصر حائرة بالثلاثة «التحرير والعسكرى والصناديق»، فإنها تنتظر الحكمة لأنها المخرج من نوات التغيير وعواصف التحول، وسيناريوهات الأسود والرمادى. وعددنا الخاص اليوم محاولة للتشخيص والقراءة لاكتشاف السبيل الآمن للانتقال إلى الديمقراطية.

دولة الثائر


  بقلم   محمود عزت    ١/ ١/ ٢٠١٢

قبل أن ينزل من سيارته، رنّ المحمول..
«لا يا باشا الحمد لله، زى ما إنت عارف.. جلسات محاكمة صورى كده عشان الشعب يرتاح، لا حيصدر أحكام ولا الهوا.. أنا والاتنين ظباط اللى معايا وكمان الأمين، براءة يا باشا، مش معقول يعنى يحاكمونا عشان قتلنا كام عيل سوابق قدام القسم.. الميرى ميرى برضه».
نزل وأغلق الباب بيد، بينما يسند الموبايل بيده الأخرى.. «لا يا باشا متقلقش..إحنا لسه راكبين البلد.. بس الموضوع محتاج شوية وقـ....»
تراخت يده واتسعت عيناه، ثم بدأ يقترب بخطوات بطيئة تجاه البيت، كان على جدار البناية التى يسكن فيها، وعلى شرفة شقته بالدور الثانى كذلك، عبارة واحدة ضخمة مكتوبة بالأحمر الدموىّ، تسيل أطرافها كنزيف طازج: «هنا.. يسكن قاتل شهيد».
مال على جدار البناية كأنه يتأكد، نقش دائرى صغير كان بجوار العبارة، دقق جيداً، لم يتمكن من قراءته. وصله صراخ محدثه فى المحمول، انتبه ورفعه إلى أذنه مرة أخرى مردداً: «كارثة يا علاء باشا.. كارثة».
٢
فرك كفيه من البرد، لاعناً اليوم الذى اختاروه فيه فى الكتيبة قائداً لسيارة مدير البوليس الحربى، استيقاظ يومى قبل الفجر، غسيل دقيق للسيارة الداكنة الفاخرة، أقل خطأ بجزاء، تنهّد فاركاً كفيه: «أيام وتعدى.. سنة ونص يا جيش وارجع للملكى».
رنّ له اللواء على الموبايل، فانتفض وهرع يقابله على بوابة البناية الفاخرة، أدى التحية العسكرية للواء بانضباط، ثم مد يده ليتناول الحقيبة، لكن ذراع اللواء ظلت جامدة جواره، انتظر برهة محدّقا فى يد اللواء، ثم رفع عينيه، كان اللواء يحدق وراءه بوجه جامد، وعينين جحيميتى الغضب، فالتفت فى تردد، كان على السيارة السوداء الفارهة، على البابين الأمامى والخلفى، ملصقات متتابعة للصورة الشهيرة: الفتاة وحولها جنود الجيش، بينما يرفع أحدهم قدمه ليركلها فى صدرها العارى، وإلى جوارها مكتوب بخط بارز: كاذبون.
صرخ: والله يا فندم ما أعرف الحاجات دى اتحطت هنا إزاى، أطاح اللواء بالحقيبة فى وجهه، اندفع ونزع ملصقاً محدقاً فيه، كان إلى جوار الكلمة، نقش دائرى صغير يشبه الختم، مكتوب داخله بخط الثلث: «دولة الثوار».
٣
وهنا يصدر البيان الأول على الشبكة العنكبوتية.
٤
«مبروك، رسمياً.. حد أقصى للأجور، وحد أدنى للأجور يبدأ من ٢٠٠٠ جنيه.. شكراً للشهداء». قرأ المكتوب على الورقة التى فى يديه على زملائه فى المصلحة، ثم هتف: الورقة دى متعلقة فى كل حتة.. فى المترو وع الحيطان.. كل الناس بتقراها، محدش مصدّق.. بس أنا مصدّق.. أكيد ده قرار جديد.. أخيراً. تناولها منه زميله: أنا كمان شفتها النهارده فى كل حتة.. كل الناس شافتها.
- غريبة.. ليه مايعلنوش عنها فى التليفزيون ولا فى بيان رسمى.
■ استنى.. إيه المكتوب تحت ده، دققا معاً فى الورقة، كان أسفل يمين البيان، نقش دائرى مكتوب داخله بخط الثلث: دولة الثوار.
■ إنت متأكد إن ده ممكن يكون بيان رسمى؟
- بيتهيألى.
انتبه إليهما مديرهما، تأمّل الورقة، ثم قلّب عينيه فيهما بنظرة محبطة:
المجلس كذّب فى الراديو من شوية إنه أصدر أى قرارات جديدة.
٥
تردد الضابط قليلاً، لكنه طلب إذن مقابلة السيد اللواء القائد، دقائق وأشار له سكرتارية اللواء بالدخول، فى الداخل كان اللواء مشغولاً، سأله دون أن يرفع عينيه عن الأوراق أمامه: خير يا سيادة العقيد، تنحنح العقيد ثم مد يده باللابتوب الذى يحمله ليضعه على المكتب: حضرتك ده حصل النهارده الصبح.
تناول اللواء نظارته الطبية، ارتداها فى بطء، ثم قرّب عينيه، كان التحديث الأخير على الصفحة الرسمية للمجلس:
«أحكام مشددة تنتظر رأس النظام السابق (مبارك) وأعوانه، الإعدام والمؤبد بتهمة الخيانة العظمى لكل من خان أمانة الوطن».
نظر اللواء القائد إلى العقيد صارخاً: إيه ده.. إيه المكتوب ده؟!
■ يا فندم الصفحة تم اختراقها.. وكان لازم أعلم سيادتك.
مال اللواء القائد مجدداً حين لمح صورته، كان التحديث قبل الأخير عبارة عن صورة له، ملوّحا للجماهير فى المؤتمر الأخير، وتحتها تصريح على لسانه: الدولة دى مش بتاعة حد.. دى دولة الثوّار.
مع نقش دائرى صغير أسفل يمين الصورة.
صرخ اللواء القائد: العيال دى لازم تتجاب.
٦
بسرعة خاطفة، لصق أحدهما الورقة على الجدار، أخرج الآخر الإسبراى وبدأ فى الرشّ حامياً بساعده أنفه وفمه، التفتا إلى وقع أقدام ثقيلة تقترب، خلعا الورقة سريعاً من على الجدار، وانطلقا، تطاردهما جنود الشرطة العسكرية، بينما تتتابع على اليمين واليسار العبارة نفسها على الجدران بطول الشارع: الدولة دى دولة الثوار.
٧
على الصفحة الأولى للجريدة الرسمية:
تشديد الحراسة على الضباط المتهمين فى قضية قتل المتظاهرين.
اعتقالات لعدد من النشطاء يشتبه فى تورطهم فى تنظيم سرىّ يهدف إلى حرق البلاد فى عيد الثورة الأول.
السلطات تداهم عدة مراكز حقوقية بتهمة تمويل ودعم تنظيمات سرية تدعو إلى الفوضى.
المخرّبون يستخدمون شعارات غريبة على ثقافتنا.
٨
استيقظ اللواء القائد على جلبة ضخمة، نهض وفتح نافذته، كانت تمر من أمام منزله مسيرة ضخمة، الملايين تسير رافعة يديها، منقوشاً على راحاتهم جميعاً نقش دائرى كالختم، مكتوب بخط الثلث:
تذكّر اللواء بغتة تاريخ اليوم: ٢٥ يناير ٢٠١٢

دولة المرشد


  بقلم   د. عمار على حسن    ١/ ١/ ٢٠١٢
حين بدأت المؤشرات الأولى لصناديق انتخابات مجلس الشعب المصرى تشى بفوز ظاهر لـ«الإخوان المسلمين» استعادت ذاكرتى كل ما قرأته فى السنوات التى خلت عن توقعات باحثين وخبراء وكتاب وساسة فى العالم العربى من موريتانيا إلى العراق من أن البديل المطروح لأنظمة الحكم الفاسدة المستبدة هو الجماعات والتجمعات والتنظيمات السياسية التى تتخذ من الإسلام أيديولوجية لها. وعدت إلى كتابى «أمة فى أزمة» لأقرأ مقالاً مطولا ضمن مادته كان عنوانه «الإسلاميون العرب.. مشروع بديل أم كارثة جديدة» وكذلك إلى كتابى «الفريضة الواجبة.. الإصلاح السياسى فى محراب الأزهر والإخوان المسلمين» الذى كان يحوى توقعاً بأن الإخوان هم البديل المطروح لنظام مبارك، وقلت وقتها «نكافح ضد الحزب الوطنى ليصلح من نفسه أو يرحل ونلح فى الضغط على الإخوان ونصحهم حتى يرشدوا أفكارهم»، واستعدت كذلك مقالى الذى سبق أن نشرته فى «المصرى اليوم» عام ٢٠٠٧ وكان عنوانه «هل يعمل مبارك لصالح الإخوان؟». وتخيل ملامح ما يمكن أن نسميها جوازاً «دولة المرشد» لابد أن يمر عبر عشر ملاحظات أساسية على النحو التالى:
١- رغم أن المسار الذى اندفعنا إليه كان محفوفا بالمخاطر ولايزال، ولن يكف عن إفراز المشاكل فى الفترة المقبلة، فإنه يجب احترام نتائج الانتخابات إيمانا بأن الشعب الذى يمتلك حق وحرية الاختيار، يمتلك أيضا القدرة على تنقيح اختياره وتصحيح مساره. لكن يجب أن نأخذ فى الاعتبار أن الديمقراطية قيم وإجراءات، وصندوق الانتخابات مجرد إجراء فيها، وإجراؤها الأصلى هو ضمان تكافؤ الفرص بين المتنافسين، ومادتها الأساسية هى تمكين الشعب من القرار، واحترام الحريات الفردية وضمان التداول السلمى للسلطة، وإعلاء مبدأ المواطنة. ويجب أن نفهم ونعى هذا ونبنى عليه فى المرات المقبلة.
٢- إن ما يجرى حاليا على الساحة السياسية المصرية هو تلاقى أفكار وأدوار بشكل طوعى ودون عنت. فالإسلاميون يفوزون وفق المشروع السياسى المدنى، والمدنيون ينهزمون لتراجع قدرتهم إلى إنتاج خطاب يكون الدين جزءاَ أصيلاً فيه، وعدم تمكينهم من بناء شبكة اجتماعية يمكن توظيفها فى تعبئة الناس للتصويت فى العملية الانتخابية. وهذا يجعل من الممكن أن نقول «ينهزم المدنيون وتنتصر المدنية» و«ينتصر الإسلاميون ويتوارى مشروعهم السياسى الأصلى أو يتجدد». لا بأس، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى الناس بها.
٣- هناك فروق جوهرية بين ما يبديه الساسة من آراء وتصورات وتصريحات خلال الحملة الانتخابية وبين الذين سيجدون أنفسهم ملتزمين به ومرغمين عليه حين يجلسون فى سدة السلطة. وإذا كان حزب «الحرية والعدالة» يوظف الدين فى جذب الناخبين فإنه بعد اكتمال البرلمان ودخوله طرفاً أصيلاً فى تحديد المواقع والمناصب والمسارات السياسية المقبلة سيضع عينيه على جمهور آخر وسيتصرف بمسؤولية قدر استطاعته بعيدا عن «الشعارات» و«الهتافات» فهناك الخارج أو المحيط الدولى، وهناك التيار المدنى، وهناك الأقباط، وهناك العسكر، وهناك من يقيمون التجربة ويفككونها، وقبل كل هذا هناك المشكلات المتفاقمة التى خلفها الرئيس المخلوع، والتى سترسم مستقبلا لشرعية جديدة تقوم على «الإنجاز».
٤- لا نحتاج إلى كثير عناء كى نكتشف أن الحركة الإسلامية المسيسة لها وجهان، الأول نراه حين تكون فى مرحلة «الصبر» حيث الملاحقة والمطاردة والتمييز والاضطهاد والإقصاء والإبعاد، والثانى نعاينه حين تصل إلى «التمكن» وهذا ما بانت بوادره منذ ظهور مؤشرات تفوق «الحرية والعدالة» و«النور» فى الانتخابات، وقد يتعزز خلال الشهور المقبلة، لنجرب «المسكوت عنه» و«المنتظر» و«المتوقع» والذى سيكون له نصيب بارز فى إعادة تقييم القاعدة الشعبية العريضة لأدوار وأوزان الإسلاميين، واختبار المساحات الفاصلة بين «القول» و«الفعل» وبين «التنظير» و«التطبيق».
٥- ليس الإسلاميون كتلة واحدة، ومن التبسيط المخل والخطأ الفادح أن ننظر إليهم على أنهم كيان متجانس على عقل وقلب وضمير رجل واحد. فهناك تباينات جلية بين «الإخوان» و«السلفيين» و«الوسط» إن أخفتها مؤقتا المصالح الطارئة والعابرة فإنها لا محالة ستظهر وستؤثر على نظرة كل منهم إلى الآخر وتحديد حساباته حياله. فى الوقت نفسه ليس الإخوان فريقاً واحداً، فهناك جزء طاف على السطح نراه ونتعامل ونتحاور معه وينصت إليه الناس ويشاهدونه فى مختلف وسائل الإعلام، يبدو أكثر تفهما لـ«الآخر» وأعلى قبولا للأفكار السياسية الحديثة. وهناك جزء غاطس يتسم بـ«المحافظة» ويبدو فى بعض تصوراته أقرب إلى «السلفية التقليدية». وهناك قطاع من شباب الإخوان يبدو أكثر نزوعاً إلى التحديث والتثوير. وهذه التباينات إن كانت قد توارت فى الظل طيلة العقود الماضية خوفاً على تماسك التنظيم فلن يكون لها مبرر وقت أن يكون فى الصدارة متحللا أو متخففا من كل عوامل الخوف والقهر وشاعرا إلى أقصى حد بالحماية والاستقواء.
٦- هناك من يعتقدون أن صدام «الإخوان» بـ«العسكر» أمر حتمى. لكن من يمعن النظر فى تأثير «ثقافة المحنة» على سلوكيات الإخوان فى السابق والحاضر قد يصل إلى نتيجة مختلفة مفادها أن هذين الطرفين، وفى محاولة منهما لتخفيف آثار صراع الشرعيات، سيذهبان إلى «تسوية» ستؤثر تأثيرا عميقا على سير الأوضاع السياسية فى البلاد خلال المستقبل المنظور.
٧- حين نطلق اصطلاح «دولة المرشد» جوازا، فإننا لا نتجاوز حقيقة ساطعة كشمس الظهيرة تقول إن شخصية المرشد داخل الإخوان محورية نظراً لصلاحياته وموقعه التاريخى والتربوى والدينى، ومن ثم من المتوقع أن تظل بصمة المرشد على طريقة إدارة الإخوان للحكم إن بلغوه قوية.
٨- لا يعنى نقد الإخوان، فكرا ومسلكا، قدحا فيهم، أو رغبة من أحد فى إعادتهم إلى ما كانوا عليه، أو نصرة فريق ينافسهم، لكن بات واجبا لفريق اقترب من حكم البلاد، أو يرى نفسه الأحق الآن بهذا. ولا يرام من ذلك النقد أو هذا التدافع سوى تجويد الأداء وترشيد الآراء وتعبيد الطريق أمام غد أفضل لبلادنا، بغض النظر عن خلفية أو أيديولوجية من يحكم أو يتحكم.
٩- لا يملك الإخوان، حتى هذه اللحظة، نظرية سياسية متكاملة، ولم ينفتحوا بالقدر الكافى على التجديد النظرى الذى أنتجته قريحة الكثير من الباحثين المهتمين بتطوير رؤية سياسية عصرية للفقه والفهم والفكر الإسلامى. ولعل غياب المرجعية المتماسكة والنسق المتكامل هو الذى يجعل كثيرا من تصريحات مسؤولين بالجماعة تبدو متضاربة بين شخص وآخر، أو لدى الشخص الواحد فى مكانين أو زمانين أو موقفين متتابعين.
١٠- إن الإسلاميين وإن كانوا قد حازوا ٧٠% من المقاعد فإنهم حصلوا على أصوات ١٠ ملايين من بين ٢٥ مليوناً صوتوا فى المرحلتين السابقتين، وهذا معناه أنهم استفادوا من تشرذم وتصارع القوى الأخرى التى تنافسهم، وليس من قبيل أن أغلب الشعب معهم. وهذه مسألة يجب أن تؤخذ فى الحسبان أثناء صناعة السياسات العامة.
فى ضوء هذه الملاحظات يأتى السؤال: ما الصيغة المتخيلة لـ«دولة المرشد»؟ ما شكلها؟ وما مضمونها؟
للوهلة الأولى يمكن القول: هناك مكتسبات حازها المصريون عبر كفاحهم الطويل لبناء دولة حديثة ولن يكون بوسع أحد أيا كان أن يهدمها أو يهيل التراب على منجزها. وهناك خصوصية ثقافية لمصر يجسدها موروثها الشعبى وطبقاتها الحضارية المتتابعة وخبرتها الإنسانية وجيناتها الاجتماعية ودورها التاريخى، ولا يمكن لأحد أن ينكرها أو يتجاهلها وإن حاربها سيخسر حتماً لأنها انتصرت على أفكار كل الغزاة والمتنطعين والشاربين من مناهل غير تلك التى صنعت فى مهل وروية على ضفتى النيل العظيم. وأعتقد أن الإخوان يتفهمون هذا الأمر إلى حد كبير، ولذا سيغلب الراسى منهم الجامح، ولن يدخلوا فى صدام مباشر مع هذه البنى الفكرية والطقوس الاجتماعية، وقد يجدون أنفسهم فى مواجهة مع «السلفيين» الذين يطرحون، فى الغالب الأعم، مشروعا يتعامل مع مصر وكأنها ولدت يوم ٢٨ نوفمبر الذى شهد انطلاق انتخابات جعلت لهم تمثيلا سياسيا ملموسا.
ما دون ذلك سيسعى الإخوان، على الأرجح، إلى الانطلاق من الهيمنة على نظام الحكم إلى الهيمنة على الدولة نفسها، وصبغها بمصالح وتوجهات وارتباطات الجماعة. من هذا المنطلق سيبذل الإخوان جهدا فائقا لتعزيز تواجدهم فى جميع المؤسسات البيروقراطية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والثقافية والدينية، وكذلك فى أى فراغ يظهر بالمجال العام. وسنوات القهر لاتزال آثارها ساكنة تحت جلود الإخوان أو فى أنفسهم وهى قد أورثتهم شكا فى الجميع، ومن ثم سيزيحون كل من لا يستريحون له من طريقهم تباعا، وقد يضطروه أحيانا إلى إظهار التعاون مع الآخرين تحالفا أو ائتلافا، لكن هذا سيظل تحت السيطرة بقدر المستطاع، ووفق القاعدة التى قد ترى أن تمكين الجماعة مقدم على ما عداه، أيا كانت ضرورته أو حيويته فى نظر الآخرين.
وإذا كان الإخوان قد رفعوا أثناء الانتخابات شعار «نحمل الخير لمصر» مستولدينه من شعارهم السابق: «نحمل الخير لكل الناس» ليحاولوا أن ينتقلوا، ولو ظاهريا، من «الأممية» إلى «القطرية» فإن ترجمة هذا الشعار فى الواقع هى الأهم. والمحك الرئيسى لهذا هو «الاقتصاد» أو بالأحرى «التنمية»، فالشعب المصرى إن كان قد صوت لصالح من يعتقد أن بوسعهم أن يحفظوا المال العام بعد طول نهب، وينهضوا بالوضع القائم بعد طول ترد، لم ينحز بالكلية إلى «أيديولوجية» بقدر ما عول على «التيار الإسلامى» فى إنجاز ما عجزت أنظمة الحكم السابقة عن تحقيقه، لاسيما فى مجال التعليم والبحث العلمى والصحة والأجور والمرتبات والمعاشات والتوظيف والإسكان ومكافحة الأمية والفقر وتحقيق الاكتفاء الذاتى من الغذاء والكساء والدواء. وعلى هذا سيحاسب الشعب «الحرية والعدالة» أو «النور» خلال الفترة المقبلة. فالمشكلات التى خلفها نظام مبارك غاية فى التعقيد والتعدد والتوالد، ولا يكفى الاكتفاء بخطاب دينى أو وعظ يدغدغ المشاعر وسيلة للتعامل معها، ولن يرضى الناس بهذا أبدا.
وحتى هذه اللحظة لا نجد برنامجا متكاملا من أى من التيارات المتنافسة على الساحة السياسية للتعامل مع هذه المشكلات العويصة. والدليل على أن الإخوان يفتقدون هذا الشرط أنهم وبعد أكثر من ثمانين عاما انتظروا فيها حكم مصر، يذهبون إلى الاستعانة بخبراء أجانب فى بناء «مشروع نهضة»، ولا يبدو المشروعان الأوليان والصغيران اللذان أنجزهما الإخوان عقب الثورة مطمئنين إلى أنهم سيسلكون طريقا فارقا يكافئ أحلام الناس وأمانيهم، فالجريدة التى أصدرتها الجماعة وكذلك القناة الفضائية التى أطلقتها تفتقدان القدرة على المنافسة وتعوزهما مهنية، كان يمكن توفرهما لو فتح القائمون عليهما الباب لكوادر مدربة وكفؤة من خارج الإخوان للعمل فيهما. وهذا المثل، رغم ضآلته ومحدوديته، فإنه قد يبدو فى نظر كثيرين كاشفا أن الجماعة لا تحبذ الاستعانة فى التنفيذ بغير كوادرها، رغم أنها فى الانتخابات تحالفت مع مختلفين معها فى المسار والرؤى، ورغم أن قادتها يؤكدون ليل نهار أنهم يبحثون عن «توافق».
وقد لا يطمئن أيضا سلوك الإخوان حيال الخارجين على الجماعة، حيث الإقصاء والإبعاد أو التهميش والقتل المعنوى المنظم وعدم الاعتراف والتشويه، فى أنها قادرة على استيعاب جدى وغير تحايلى أو مؤقت لرؤى وأفكار وتصورات ومسارات مغايرة لتلك التى تتبناها. وهذا يخلق شكوكا عميقة حول مدى التزام «الحرية والعدالة» بالمكتسبات التى حققتها الجماعة الوطنية فى مجال الحريات الثلاث (التفكير والتعبير والتدبير). وإذا كان الإخوان قد قطعوا شوطا، لا بأس به، على طريق الانفتاح على الحريات العامة والفردية، قياسا إلى ما عليه الجماعات السلفية، فإن ما هو مطلوب منهم وهم فى السلطة أكبر وأعمق بكثير.
إن الإخوان مخيرون بين تقديم تجربة جذابة يشهد لها العالم أجمع كالنموذجين الماليزى والتركى وبين الوقوع فى فخ التجارب الفاشلة للإسلاميين مثل ما جرى فى السودان وباكستان وغيرهما. وقبل كل هذا عليهم أن يمعنوا النظر فى الآية الكريمة التى يقول فيها رب العزة سبحانه وتعالى: «لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ». وعليهم أيضاً أن يعتقدوا، ولو على سبيل الافتراض، أن ما هم فيه قد يكون محنة فى ثوب منحة.

دولة الجنرال



  بقلم   محمد دياب    ١/ ١/ ٢٠١٢
استيقظ الجنرال كعادته مبكراً، لم يقطع هذه العادة على الرغم من خروجه من الخدمة العسكرية منذ سنوات، تناول إفطاره فى نشاط، وأخرج بدلته العسكرية التى لم يرتدها منذ زمن، طلب من خادمه أن يأتى له بمكواة، صرف الخادم وأخذ يكوى البدلة بنفسه، لاحظت زوجته أنه يضغط بشدة على المكواة لم تكن تعلم أنه يتذكر ماذا حدث له بعدما خرج من الخدمة بعد اتفاق مع القوى السياسية على خروج آمن.. يتذكر الإحساس بالمهانة أسبوعياً وهناك مظاهرات لا تتوقف تطالب بمحاكمته وبعض زملائه.
اليوم سيرد شرفه، اليوم سيعلم الجميع أن الطريقة التى حكموا بها مصر خلال الفترة الانتقالية كان عيبها الوحيد أنهم لم يكونوا أكثر حسماً وقوة وعنفاً.  ارتدى بدلته واتجه لميدان التحرير، استقبله الملايين بالهتاف والتصفيق، لم يكن وحده فقد سبقه رجال مجلسه للميدان.. المظاهرات هذه المرة اقتصرت فقط على كلمة واحدة من الهتاف الشهير الذى ميز ثورة يناير «عيش، حرية، عدالة اجتماعية» الكلمة الوحيدة التى تترد أصداؤها فى الميدان هى «عيش.. عيش.. عيش».
كان يعلم أن هذا سيحدث، بل عمل على أن يحدث هذا. فعلى الأقل ثلث اقتصاد البلد فى يد الجيش، وكان من الطبيعى بعد المهانة التى شعرت بها المؤسسة العسكرية أن ترفع يدها عن المساعدة فى الاقتصاد، بل فى بعض الأحيان تعمدت إيقاف الكثير من المشاريع والاستثمارات بتعقيد الأمور ورفض منح التصاريح أو التخلى عن أراض.
انهار الاقتصاد تماماً  والقشة التى قسمت ظهر البعير هى الفشل فى تدبير المبلغ اللازم لاستيراد القمح. كل القوى السياسية تم حرقها فى الوزارة الائتلافية الفاشلة، والناس اليوم تتظاهر ضد الديمقراطية وتريدنا أن نحكمهم مرة أخرى.. لم تهتم الغالبية بالتحسن الذى طرأ على حقوق الإنسان، أو الحلول الجذرية للمشاكل الطائفية أو تغير العقيدة الأمنية واستبدال التعذيب بوسائل البحث التكنولوجية.
بالطبع تم تدبير مبلغ شحنة القمح من تبرع سخى من ميزانية الجيش... الآن أصبح الشعب جاهزاً، أعلن الجنرال الجمهورية الثالثة نظراً لأنها أتت بعد الثورة الثالثة، طلب منه الشعب أن يكون رئيساً وعلى الرغم من أنها مسؤولية لا يريد تحملها نظراً لسنه الكبيرة لكنه قبل، لأن إنقاذ البلاد واجب وطنى تهون من أجله راحته الشخصية.
أصدرت المحكمة العسكرية الثورية أحكاماً ضد آلاف من الفوضويين وصل بعضها للإعدام- ومنعت أى وسيلة إعلامية من أن تطلق عليهم «ثواراً». خفف الجنرال جميع أحكام الإعدام إلى المؤبد فقد كان يعلم أن أغلب هؤلاء الفوضويين كانوا ضحية المؤامرة الكبرى التى تجلت فى ٢٥ يناير والتى اشترك أغلبهم فيها بجهل.
التخلص من الإسلاميين كان سهلاً فلسنوات اتفق الجميع اتفاقاً غير معلن أن يقبلوا الطرف الثالث حلاً سحرياً لأى مشكلة لا يريدون مواجهتها. وبمساعده صغيرة من الأجهزة الأمنية تم تلفيق بعض الأدلة وأصبح الإسلاميون هم الطرف الثالث. أغلقت كل الأحزاب التى قامت على خلفية دينية، وأودع قادتها فى السجون.
الجنرال توقع بعض المقاومة من بعض الإسلاميين وبعض الفوضويين إلا أن انفجاراً بين الحين والآخر كفيل بأن ينهى على تعاطف الشعب معهم، ويجعلهم يقبلون إعدام من تختار الأجهزة الأمنية تلفيق الأمر له قرارات مثل هذه هى ما تميز العسكريين، هكذا فكر الجنرال وهو يقرأ خبر إعدام بعض الفوضويين والإسلاميين الذين أُدينوا بتفجير إرهابى. نحن نفكر فى الصورة الكبيرة ونستطيع أن نقبل بعض الخسائر من أجلها، نعم سيموت البعض ويسجن آخرون ولكن هذا أقل ثمن من أجل مصر ومن أجل المصلحة العليا للبلاد.. هل كان حاكماً مدنياً يستطيع أو يقبل مثل هذه الحلول السريعة؟ بالطبع لا.. إلى الجحيم بحقوق البشر جميعاً إذا كانت ضد الاستقرار.
على عكس ما تخيل الجميع لم يلغ الجنرال الدستور بموجب شرعيته الثورية بل أضاف إليه مادة واحدة (قانون الاستقرار) والذى بموجبه ينزع عن أى شخص أى حق من حقوقه لو كان يستخدمه ضد استقرار الدولة- وما أدراك ما استقرار الدولة بالنسبة للجنرال.
تقرر من تبعيات هذا القانون أن يقتصر استخدام الإنترنت على الشركات فقط ومنعه فى المنازل، مع تجريم استخدام مواقع التواصل الاجتماعى.  تقرر أن يؤمم الإعلام بصحفه وقنواته، وأن يصادر أى دش (طبق فضائى) وأصبحت حيازة أى وسيلة للاتصال بأخبار العالم الخارجى جريمة يعاقب عليها القانون بالحبس. خرجت مظاهرات تشيد بهذه القرارات بل طالبت بإعدام إعلاميين وقفوا فى صف الفوضويين إلا أن الجنرال لم يقبل هذا فهو لا يريد أن يتذكر أحد فترة حكمه بأنها الفترة التى قصفت فيها رقاب أصحاب الرأى فاكتفى بقصف أقلامهم وإخراس ألسنتهم فقط.
لم يكتف الجنرال بالحكم من القصور، بل كعادة الحكام الصالحين كان ينزل متنكراً بين الناس ليتفقد الأحوال، توقف أمام «فرشة» لبيع الصحف، تطلع إلى عناوين مختلف الصحف والتى تدندن جميعاً حول نفس المعنى من إشادة بقرار اتخذه بالأمس، لاحظ فتوراً من الناس على شراء الصحف وإحباطاً فى الوجوه جلس على أحد المقاهى وأنصت لحوارات الناس، بدأ يسمع نغمة جديدة فمعظمهم ناقمون على الأوضاع الاقتصادية التى تزداد تردياً، فمنذ الحكم العسكرى ولم يدخل مصر أى استثمار أجنبى.
واختفت السياحة بسبب الخطاب الإعلامى الذى ركز على أن كل الأجانب جواسيس يريدون الشر بالبلاد فعزف السياح عن القدوم خوفاً من اعتداءات متكررة عليهم، والرجوع للحلول الأمنية مع البدو والمشكلة الطائفية مما زاد من الأمور اشتعالاً..  أكثر ما أغضب الجنرال أنه سمع اليوم ولأول مرة منذ زمن بعض مرتادى المقهى يتذكرون الفوضويين وينعون أيامهم وأفكارهم الإصلاحية الجذرية، التى صعب عليهم تقبلها وقتها، بل وصل الأمر بهم إلى أن وصفوهم بالثوار!!!!
اجتمع الجنرال بمجلسه ونقل لهم ما سمعه وحذرهم من أن ترف هامش الحرية الذى ميز عصر مبارك هو ما أدى لسقوطه.  بعدما استبعد المجلس الحل الجذرى بإغلاق كل مقاهى مصر، توصلوا إلى حل آخر أكثر بساطة وتأثيراً، تقرر أن تضاف مادة جديدة لقانون الاستقرار يكافأ بموجبها كل من يبلغ عن أى شخص معترض على سياسة الدولة وبالتالى يعرض استقرارها للخطر. تنوعت المكافآت بين ترقيات للعاملين بالدولة مكافآت مالية للقطاع الخاص وحتى الطلبة فى المدارس والجامعات تقرر أن تضاف لهم درجات إضافية لنتيجة آخر العام.
لاحظ الجنرال عندما جلس على نفس المقهى بعد تطبيق المادة الجديدة من القانون، أن أحداً لم ينطق بكلمة واحدة عن السياسة وبالطبع لاحظ اختفاء بعض الوجوه التى سمعها تعترض سابقاً. اطمأن الجنرال، فحاكم محنك مثله يعلم أن المشكلة الأهم من الاعتراض على الحاكم هى مشاركة هذا الاعتراض مع آخرين.
استقبل الجنرال شاباً فى قصره الرئاسى أبلغ عن انتهاك أخيه قانون الاستقرار فى محادثة شخصية بينهم. وأمر كتائبه الإعلامية أن تجعل من هذا الشاب بطلاً وأن تسفه من أخيه الفوضوى. أراد الجنرال أن يخاف كل شخص من أن يحول ما يشعر به من غضب إلى كلمات حتى ولو لنفسه.
طلب الجنرال بأن يأتوا بالشاب الفوضوى إليه، كان يعلم أن تراجع الفوضوى عما يقول تأثيره أكبر من سجنه. أتى الشاب وكل جزء من جسده متورم من التعذيب، واجهوه بما قال لأخيه من اعتراضه على طريقة الحكم العسكرى وأنه غاضب ككثيرين فلم ينكر.
قال له الجنرال «عن أى غضب تتحدث وقد أتى بنا الشعب» أجابه الشاب «لكم فى فرنسا عظة، فالثورة الفرنسية انتكست ثلاثة مرات رجعت فيها للحكم الشمولى بين ملكية وإمبراطوريتين، إلا أن الشعب اختار فى النهاية الديمقراطية واختارها فقط لأنها الوسيلة الوحيدة لتحقيق ما يأمل أن يصل إليه» بادرة سجانية بضربات متلاحقة، ألقته أرضاً إلا أنه لم يتوقف عن الكلام «الثورة قادمة ولو لم يتكلم مصرى مع آخر، الثورة قادمة ولو قتلتم كل ثائر، الثورة قادمة كل ٢٥ يناير» عند هذه النقطة هشم سجانوه وجهه تماماً.
لم ينم الجنرال يومها، ولا أى ليلة حتى ٢٥ يناير التالى، فكر كالعادة بدلاً من حل للمشكلة أن يتحايل عليها فقرر أن يلغى يوم ٢٥ يناير ويصبح اليوم التالى ليوم ٢٤ هو ٢٦ يناير، وقرر نقل هذا اليوم الزائد لشهر فبراير الذى كان يعانى من نقص ولن يضيره زيادة يوم.
طلب من أجهزته الأمنية أن تزيد من قبضتها وتراقب الجميع وتسجن كل من يشتبهون به، ورغم تأكيدهم أن كل شىء على ما يرام، إلا أنه لم يكن مطمئناً، فصوت هذا الشاب قبل أن يقتلوه ظل يتردد فى أذنه وأكثر ما أخافه من قصة هذا الشاب أنه  لم يكن من قبل مع الفوضويين، بالعكس كان ضدهم فى السابق، بل كان من الذين تظاهروا وجاءوا بالجنرال ومن معه.
جاء اليوم المشهود، بدا على الجنرال التوتر والإرهاق، قرأ الجريدة ليجد اليوم عليها ٢٦ يناير، فتح التلفاز ليجد الجميع يؤكدون أنه يوم ٢٦، قرر أن يسأل الطاهى الذى أتى له بإفطاره عن اليوم فأكد هو الآخر أنه يوم ٢٦ يناير وأنه لم يسمع من قبل عن٢٥ يناير. بدأ الاطمئنان يتسلل إلى الجنرال وتناول إفطاره فى استمتاع، إلا أن أصواتاً بدأ صداها يقترب من القصر.. أصواتاً كثيرة للغاية تؤكد أن هذا اليوم هو.. ٢٥ يناير.

الاصــــــــــــــــــــــــــلاح

مشكلة مصر الاصلاحية والمستقبلية هي [[منظومة الامن + منظومة العدل + منظومة التعليم]] والتي "افشلتها الادارة المصرية بشخوصها السلطوية والنخبوية وليس للشعب يد في فشلها من قريب او بعيد وهو غير مكلف اساسا بذلك عدا ان يعبر عن رايه والذي تشتته وتفرقة الادارة المصرية عن عمد او بجهل" اما مشكلــــــــــة الثورية وسبب الفشل هو (البحث عن التمثيل الشعبي والانتخابات او البحث عن قائد ثوري او تزرع الحكومات المتسلطة بمنطق ...لما نحب نكلم شعب مصر نكلم مين؟)..... تلك "الانجازات الانتخابية كاداة ووسيلة ينظر لها المسيسون علي انها العصا السحرية" ....والتي للاسف لا يمكن ان تكون نزيهة او صحيحة او معبرة عن الجميع "شعب مصر وارادته العاقلة الهادفة للمستقبل وليس للخلاص" وبقواعد علمية واحصائية وشروط تجريبية معملية ---الا اذا--- تمت علي قاعدة ومناخ [[[[[الاستقـــــــــــرار]]]]]...والذي يشمل "الامن والعدل" ...لا يتطلب الا يد "القوة العادلة" وليس هناك مبرر "لتعطيله" ولو كانت الاحكام "عرفية في دولة اللا قانون".........وبالتالي فاي انتخابات عامة او فئوية لا تتم في مناخ الاستقرار فهي ((((معيبة ومشكوك فيها ولا تتجاوز صورة مبتكرة لتزييف الحقيقية والسيطــــــــــــــرة علي نتائج الانتخابات وتوجيهها ودفعها الي طرق بعينها ونتائج بعينها يستهدفهـــــــــــــــــا رئيــــــس الجمهورية او اي صاحب سلطــــة مطلقــــــة لتحقيق مصلحته او رؤيته الشخصية))))............... يعني نقول انتخابات ...يبقي يلزمها امن واستقرار "اولا" نقول اصلاح يبقي يلزمة "امن واستقرار اولا"......نقول انجاز ونزاهة .....نقول {{{زائف}}} مالم تتم في مناخ (((الاستقـــــــــــــــرار))) ..............فهل كان هناك امن وعدل واستقرار في {2011} .....وحتي دخول 2012......بالطبع "لا".....يبقي نرجع من الصفر والاول .....مع تعديل بعض "مواقع رقعة اللعبة الاجتماعية وربما بعض اللاعبين".....مستهدفين [[[نفس الهدف]]] الاستقرار اولا قبل اي (((مشروع ديموقراطية)))............فالاستقرار لا يأتي بالديموقراطية ....ولكن تطبيق وتفعيل الاليات الديموقراطية {{شرطها ضمان ...الامن والعدل والاستقرار}}..........حتي اللجان التأسيسية لوضع الدستور "محل الخلاف والتنظير النخبوي وحديث الاعلام علي انه مشكلة المشاكل ومحل الخلاف حول قبول نتائج تلك الانتخابات الديموقراطية".......فمن سيحدد هؤلاء الاشخاص بعد تحديد الاعداد والتوزيعات .....(((((اليست اشخاص تابعين للنظام السابق او منتخبين علي اساس نظام الانتخاب الحالي الزائف الغير حر لان الناخبين يستهدفون الخلاص وليس المستقبل))))).............وبالتالي سيعين كل "مجلس ادارة" اتباعه او ما يراهم يحققون مصلحته وليست مصلحة "جماعته".....العيب فقط (((الامن + العدل))).....وهما اساس "الملك"...........وصراع العام القادم لن يتجاوز [اختبار التيارات الاسلامية] في فرض هذا الامـــــــــن والعـــــــدل وهم لا يملكون "ادوات القوة" ...بخلاف الشعبية....يعني كبيرهم (((يعملوا ثورة جديدة قد تكون دموية...لان هدفها سيكون امتلاك ادوات القوة))).....وخالي الاستشاري ينفع نفسه ...مش ينفع "المجلس العسكري" ..... يوم تعم الفوضي العارمة ....بعد فشل "سيناريو الفوضي الخلاقة التي يقودها الجاهلون"....ويجربونها في "معمل التجارب المصري"

خواطر فى بداية عام الحسم



  بقلم   د.حسن نافعة    ١/ ١/ ٢٠١٢
أود فى البداية توجيه تهنئة، حارة وخالصة، إلى قرائى الأعزاء، خاصة المسيحيين منهم، بمناسبة بداية عام ميلادى جديد لأننى شرعت فى كتابة هذه الخواطر قبل ظهر يوم السبت، آخر أيام عام ٢٠١١، وعندما تصبح فى متناول القراء سيكون اليوم الأول من عام ٢٠١٢ قد حل علينا بالفعل. والواقع أننى كثيراً ما أشعر عند نهايات الأعوام التى نستعد لتوديعها وبدايات الأعوام التى نتهيأ لاستقبالها بحاجة ماسة إلى وقفة مراجعة حول مغزى وأهمية وفائدة ما أقوم به من نشاط عام، سواء بالنسبة لى شخصيا أو بالنسبة للوطن ككل، أحاول فيها إعادة تقييم مواقفى وما إذا كانت تتطلب إعادة نظر أو تصحيح فى ضوء ما طرأ من مستجدات على الساحة.
وتحدونى اليوم رغبة مخلصة فى أن أشرك القارئ معى فيما يجول بخاطرى فى هذه اللحظة حول تقييمى لتجربتى الشخصية فى حراك سياسى بدأ منذ أعوام، ثم مر بمراحل متعددة إلى أن وصل ذروته باندلاع الثورة الكبرى، لكنه لم يحقق بعد كل أهدافه، وأظن أنه بدأ يدخل الآن عام الحسم. ولأن الله أعطانى من الشجاعة ما يكفى ليس فقط لمواجهة الآخرين، وإنما أيضا لمواجهة النفس التى هى أمارة بالسوء أحيانا! فلن أتردد مطلقاً فى مكاشفة القارئ بكل ما يجول فى خاطرى الآن حول تلك التجربة، بما فى ذلك تقييمى لأدائى الشخصى.
لقد سبق لى أن أوضحت أكثر من مرة أن الأوقات التى أشعر فيها بسعادة حقيقية هى تلك التى أقضيها فى القراءة والكتابة والعمل البحثى. ولأن مهنتى كباحث متخصص فى العلوم السياسية، فضلاً عن اهتماماتى كمواطن، تضعنى فى تماس مباشر مع مختلف القضايا الوطنية، وتدفعنى دفعاً لتحديد موقفى مما يدور على الساحة، فقد كان من الطبيعى أن يكون لكتاباتى الأكاديمية أو الصحفية صدى، إيجابى أو سلبى، عند الممارسين للعمل العام، سواء على الصعيد الرسمى أو على الصعيد الشعبى، وأن أدعى للانخراط مباشرة فى أحزاب سياسية أو فى منظمات أو حركات سياسية.
ولم تكن الدعوة مقصورة على أحزاب المعارضة على اختلاف أنواعها، ولكنها شملت الحزب الوطنى أيضا، خصوصا حين كان الدكتور ممدوح البلتاجى أمينا للقاهرة، ثم لجنة السياسات فى بداية تشكيلها، غير أننى رفضت كل هذه العروض ليس تعالياً على أحد، ولكن حرصا على استقلالى الفكرى، من ناحية، واتساقا مع تكوين شخصى لا يميل بطبعه للانخراط فى أطر تنظيمية عامة «شللية» خاصة. غير أن هذا الموقف المبدئى لم يمنعنى قط من التواصل المثمر مع الأحزاب والحركات السياسية ومنظمات المجتمع المدنى. فخضت انتخابات نادى أعضاء هيئة التدريس بجامعة القاهرة وأصبحت مسؤولا عن نشاطه الثقافى وقبلت الترشح على قائمة حزب التجمع فى أول انتخابات بالقوائم النسبية عام ١٩٨٤، وكنت على صلة وثيقة بحركة كفاية فى بداية نشأتها وحضرت عدداً من الاجتماعات لتقييم أدائها... إلخ.
غير أن إحساسى بخطورة مشروع التوريث، الذى كنت قد بدأت أكتب عنه كثيراً، دفعنى للمشاركة بحماس فى الجبهة الوطنية للتغيير برئاسة المرحوم الدكتور عزيز صدقى. ففى الاجتماع التأسيسى الذى عقد فى مكتب الدكتور صدقى، الذى حضره نخبة كبيرة من الشخصيات العامة، طلب من المستشار طارق البشرى فى نهاية الاجتماع كتابة البيان التأسيسى للجبهة، وعندما اعتذر كُلّفت أنا بكتابته، ووصفت فيه النظام القائم بأنه يجسد «تحالف الفساد والاستبداد»، وكانت تلك هى المرة الأولى التى يظهر فيها هذا المفهوم، الذى ذاع صيته بعد ذلك، وحضرت مع الدكتور صدقى جميع الاجتماعات التى عقدت فى مقر حزب الوفد للتنسيق بين القوى السياسية فى انتخابات مجلس الشعب لعام ٢٠٠٥. ورغم أن هذه الموجة من الحراك السياسى ما لبثت أن خفتت، خاصة بعد «فوز» مبارك فى «انتخابات» الرئاسة فى نوفمبر من هذا العام، ثم تمرير تعديلات دستورية تكرس مشروع التوريث عام ٢٠٠٧، فقد بقيت على صلة وثيقة بالدكتور عزيز صدقى وتابعت إحباطاته من تصرفات مختلف القوى حتى وافته المنية.
فى أحد أيام شهر فبراير من عام ٢٠٠٧، وبينما كنت أحضر اجتماعاً لمجموعة عمل الموسوعة المصرية فى مكتبة الاسكندرية، تلقيت اتصالا من الدكتور عدنان بدران، رئيس الوزراء الأردنى الأسبق، يحيطنى فيه علماً بنبأ اختيارى أمينا عاما لمنتدى الفكر العربى، وعندما أخبرته بأننى لم أتقدم لشغل هذا المنصب، قال لى إنه يعلم ذلك، وأن اسمى رشح أثناء المؤتمر العام للمنتدى، وتم اختياره بالإجماع، غير أننى طلبت مهلة للتفكير، وتشاورت مع كل من الدكتور صلاح فضل والدكتور يحيى الجمل اللذين كانا معى حين تلقيت مكالمة الدكتور بدران، فشجعانى بشدة على قبول هذا المنصب الفكرى الرفيع. غير أننى طلبت لقاء مع الأمير الحسن بن طلال، رئيس المنتدى وولى عهد الأردن، وأبديت خلاله حرصى على مواصلة كتاباتى الصحفية ومشاركتى فى البرامج الحوارية كشرط لقبول المنصب، فوافق الأمير، وقدمت استقالتى من منصبى كرئيس لقسم العلوم السياسية فى جامعة القاهرة، وتسلمت منصبى كأمين عام لمنتدى الفكر العربى فى أول مارس عام ٢٠٠٧، وأقمت فى الأردن حتى قدمت استقالتى فى يوليو ٢٠٠٩.
لست متأكدا مما إذا كان قبولى لهذا المنصب فى ذلك التوقيت قرارا صائبا، وكنت أحس ببعض الذنب لأننى تركت وطنى فى تلك الأجواء الملبدة بالغيوم السياسية، خفف من هذا الإحساس أمران، الأول: قدرتى على التواصل مع هموم الوطن من خلال الكتابة، التى هى أداتى الرئيسية، والمساهمة فى البرامج الحوارية. والثانى: أنه لم يسبق لى الحصول على أى إعارة خارجية، رغم كثرة العروض، وكنت بحاجة ماسة للسفر فى ذلك الوقت لأسباب مادية. وأيا كان الأمر فلم أنقطع قط عن كتابة مقالى الأسبوعى فى «المصرى اليوم» طوال تلك الفترة. ولأن تركيزى الرئيسى فى تلك الفترة كان على خطورة مشروع التوريث، من ناحية، وعلى الفساد، من ناحية أخرى، وعلى تآكل دور مصر على الصعيدين الإقليمى والدولى، من ناحية ثالثة، فقد أطلق النظام السابق العنان لرجاله فى وسائل الإعلام لشن حملة ضارية على شخصى الضعيف قادتها إحدى المجلات الأسبوعية التى كان رئيس تحريرها مقرباً من جمال مبارك.
وعندما لم يفلح الهجوم على بدا رئيس التحرير يوجه سهامه مباشرة إلى الأمير الحسن بن طلال ويتهمه بدفع آلاف الدولارات لى للهجوم على النظام المصرى وعلى الرئيس مبارك، وبدأ صدى هذه المقالات يصل إلى السفير المصرى فى عمان ومنه إلى القصر فمكتب الأمير. وعندما أحسست أن هذه الحملات بدأت تحدث بعض التأثير وتفسد أجواء العلاقة الممتازة بينى وبين الأمير الحسن، بدأت أكتب تحت مقالاتى عبارة تشير إلى أنها «لا تعبر عن منتدى الفكر العربى». ولأن ذلك لم يكن كافيا، قدمت استقالتى بهدوء وعدت إلى القاهرة غير آسف ولا نادم.
كنت أثناء تواجدى فى الأردن قد تلقيت اتصالاً تليفونياً من فريق إعداد برنامج العاشرة مساء لمداخلة تليفونية أثناء استضافة الإعلامية المتميزة منى الشاذلى للدكتور محمد البرادعى، الذى لم يكن قد سبق لى اللقاء به حتى ذلك الوقت، فقبلت. سألته أثناء المداخلة: لماذا لا ترشح نفسك لانتخابات الرئاسة المقبلة؟
فأجاب بخجل أنه على استعداد لخدمة بلاده فى أى موقع!. بعد ذلك بشهور التقيت فى عمان بزميلتى الدكتورة منى البرادعى، حيث كانت تشارك فى ندوة هناك، وسألتها عما إذا كان شقيقها الدكتور محمد البرادعى يرغب حقا فى ممارسة العمل العام فى مصر بعد عودته من فيينا فى نهاية العام، فأجابت بأنه مهتم بالفعل، فقلت لها أرجوك أن تبلغى الدكتور «محمد» على لسانى بأن عامى ٢٠١٠ و٢٠١١ سيكونان أخطر عامين فى تاريخ مصر الحديثة، لأنهما سيشهدان انتخابات البرلمان والرئاسة، وعليهما يتوقف مصير مشروع التوريث الذى يجب ألا يمر، وبأن ترشحه للانتخابات الرئاسية سيساعد كثيرا فى محاصرة هذا المشروع وربما إسقاطه. ولا أعرف ما إذا كانت هذه الرسالة قد وصلته أم لا.
بعد شهور قليلة من عودتى إلى القاهرة اتصل بى الدكتور أيمن نور يدعونى ليس فقط للمشاركة فى إطلاق «حملة ضد التوريث»، وإنما لتولى مهمة المنسق العام، فاشترطت إجماع كل القوى السياسية المشاركة، وعندما تمت الاستجابة، قبلت القيام بهذا الدور السياسى المباشر، لأول مرة فى حياتى، وشرعنا للعمل بحماس من أجل إسقاط مشروع التوريث.
ولم تكد تمضى شهور قليلة حتى أصدر الدكتور محمد البرادعى بيانه الشهير من فيينا، فرحبنا به ترحيباً شديداً فى الحملة، وبدأت اتصالاتى التليفونية به لأول مرة، وتواصلت يوميا تقريبا. ثم قمت بدعوة الشباب المتحمس لظهور البرادعى للمشاركة فى «حملة ضد التوريث»، ونسقت معه تنظيم استقبال شعبى للبرادعى، وحرضت الشباب فى إحدى مقالاتى على الذهاب إلى المطار والمشاركة فى الاستقبال الشعبى (راجع مقال: هل ينجح شباب مصر فى تنظيم استقبال جماهيرى للبرادعى، بتاريخ ١٤/٢/٢٠١٠)، وكنت فى مقدمة الذين توجهوا إلى المطار.
 وبدأت الاتصال به تليفونيا لأول مرة، واتفقت معه على تنظيم لقاء يجمعه والنشطاء فى حملة ضد التوريث، على أن أتولى الترتيب لهذا الاجتماع ودعوة من أراه. وقد أسفر هذا الاجتماع - الذى توليت إدارة المناقشات فيه - عن تأسيس «الجمعية الوطنية للتغيير» برئاسة الدكتور البرادعى، على أن أقوم فيها بدور المنسق العام، وهكذا اندمجت حملة ضد التوريث فى الجمعية الوطنية للتغيير.
لقد شرحت بالتفصيل خلافاتى مع البرادعى وأسبابها، وقمت بتقييم تجربتى فى الجمعية من خلال سلسلة من المقالات تحت عنوان: مراجعات، وبعد شهور قليلة اندلعت الثورة، بينما كان البرادعى خارج البلاد.
.. وللخواطر بقية.

العسكرى والإسلاميون والثوار.. وطن واحد و٣ ألسنة



  دراسة   د.عماد عبداللطيف    ١/ ١/ ٢٠١٢
تحكى إحدى أساطير سِفر التكوين أن أهل الأرض بعد أن نجوا من الطوفان كانوا يتكلمون لغة واحدة، وتشيع بينهم روح التعايش والتعاون، ويجمعهم حلم واحد هو أن يبنوا مدينة عظيمة ويشيِّدوا فيها برجًا تبلغ قمته السماء، وقبل أن يتحقق حلمهم، اختلفت لغاتهم، وتباينت خطاباتهم، فتخاصموا وتصارعوا، وكفوا عن بناء المدينة، وتشتتوا، ولم يبق من برجهم أثر ولا من مدينتهم إلا الركام.
فى الموجة الأولى من الثورة المصرية كانت ميادين مصر تتكلم لغةً واحدةً وخطابًا واحدًا، مفرداته «كرامة.. حرية.. عدالة اجتماعية»، وشعاره «الجيش والشعب.. إيد واحدة». خطابٌ يترك الدين لله ويجعل الوطن للجميع «مسلم.. مسيحى.. إيد واحدة»، وينحاز بلا تردد إلى نظام دولة «مدنية.. مدنية»، تُعيد للإنسان المصرى الإمساك بمقاليد حكم وطنه، بعيدًا عن الديكتاتورية العسكرية والاستبداد الدينى، حينها بدا أن حلم بناء دولة عظيمة، أقرب ما يكون، غير أن استفتاء ١٩ مارس على التعديلات الدستورية كشف عمق اختلاف الألسنة والمصالح، فكانت أولى معارك حرب الخطابات.
استمرت هذه الحرب متصلة على مدار الشهور التالية. وفى اللحظة الراهنة يمكن التمييز بين ٣ خطابات كبرى متصارعة على ساحة السياسة المصرية، الأول خطاب المجلس العسكرى والثانى خطاب الإسلاميين والثالث خطاب ميدان التحرير بعد أن هجره الإسلاميون، وعاداه العسكريون، وسنحاول بلورة ملامح كل خطاب من الثلاثة ونوع الشرعية التى يستند إليها، والتعرف على مدى تأثيره فى الجماهير، وكيفية تحقيق هذا التأثير.

عام لم يبدأ


مقت المصريون عام ٢٠١١ رغم أنه غير حياتهم، لكنهم لايطمئنون للآتى فى ٢٠١٢. المقدمات تشى بالنتائج. الأعوام لا تبدأ حقاً فى ليالى رأس السنة.. تولد قبل ذلك بكثير.
بدأ ٢٠١١ بمأساة مدوية. إرهاب غاشم ضرب كنيسة القديسين فى الإسكندرية. السنة اختارت عنوانها، عام دماء واضطرابات وانقسام. لكن مضمون ٢٠١١ الإجمالى كان قد تم طبخه وإنضاجه خلال عامين سابقين إن لم يكن أكثر. ثغرات الشرطة التى عبر منها الإرهاب كانت قد اتسعت على الراتق.
مناخ التطرف الدينى الذى منح جريمه القديسين غطاءها لبّد سماء الإسكندرية ومصر كلها -قبل أعوام- بغيوم لم تتلاش إلى اليوم. من المؤلم أن الخطاب الدينى المتطرف الذى سبق جريمة القديسين وجد ممثلوه طريقهم بكثافة تاريخية إلى مقاعد مجلس الشعب قبل أن ينتهى العام الذى بدأ بالمأساة. فى بداية عام ٢٠١٢ مازال بعض المصريين يتناقشون: هل علينا أن نهنئ المسيحيين فى أعيادهم؟..
هذا يعنى ببساطة أن ٢٠١٢ لا يختلف أبداً عن ٢٠١١.. حتى لو مرت ليلة رأس السنة بلا دماء أو ضحايا. الخطورة لا تكمن فيمن سقطوا، وإنما كذلك فيمن قد يسقطون.
تغير نظام الحكم فى مصر يوم ١ يناير الماضى وليس يوم ١١ فبراير التالى. القنبلة - مجهولة النسب حتى اللحظة - تعلقت فى رقبة إدارة الحكم.. ليس لأنه كما تقول الشائعات فجرها بنفسه.. هذا احتمال مستبعد.. إنما لأن الجميع كان يتوقع المأساة ولم يحتط. الأهم أن القنبلة شطرت المصريين، وكانت مثل تلك الجرائم تجمعهم وتلم شملهم. حاول المصريون فى ٢٠١١ أن يتجاوزوا التفتيت الذى صنعته قنبلة القديسين. لصقوا أنفسهم ببعض المشاعر وشموع الأمانى. العُرى انفكت. القنبلة - عنوان السنة - ضربت ما بين الجميع. البلد معسكرات متخندقة، وإن تباسم أعضاء المعسكرات فوق موائد التلاقى للحظات أمام الكاميرات. القلق من الغد مترس كل طرف خلف ذاته. التفاؤل الذى صنعه التغيير ذابت قيمته فى وقت وجيز.. صرنا فرقاً وجماعات وتيارات. ليس هذا تنوعاً، بل تشرذم كامل الأوصاف. المشكلة لم تعد فيما بين الأطراف المختلفة. أصبحنا نتحدث عن المصريين كأطراف!
 المشكلة داخل كل مصرى فى حد ذاته. تخبط رهيب. تضربه تناقضات مهولة. المواطن موزع هو بشخصه نفسياً واجتماعياً وثقافياً ما بين معسكرات متناحرة. يقرأ آية القرآن (ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين) لكنه خائف. غير حكم بلده لكنه شخصياً لم يتغير. يثق ويفخر بجيش بلده إلا أنه يهاجمه. يريد أن يعيش متع الحياة المشروعة، لكنه أعطى صوته الانتخابى للتطرف الدينى. يريد أن يغتنى لكنه يصب حمم الغضب على الأغنياء. يريد الحرية لكن فى داخل كل مصرى ديكتاتور أصيل. سيكون ٢٠١٢ ابنا شرعيا لـ٢٠١١.
لا يحتاج الأمر لتبصر المنجمين ولا توقعات المحللين. السنة المنقضية لم تنته بعد وقد تمتد سنوات. سيكون عام ٢٠١١ أطول سنة فى تاريخ المصريين وإن مر عليهم أكثر من يناير. هذا ليس افتتاحاً متشائماً للأجندة الجديدة.. هذه مصارحة تقول إنه لكى تفتح صفحة جديدة يجب أولاً أن تسدد كل الفواتير القديمة. مضى نظام الحكم إلى حساب التاريخ، لكن المصريين لم يسددوا ما عليهم من استحقاقات. نظفوا الشوارع من بقايا الجثامين ودماء الضحايا لكنهم لم يعرفوا بعد من فعل كل تلك الجرائم فى عام انتهى.
أجابوا عن بعض أسئلة المستقبل بارتباك خاطئ. فى تاريخ الشعوب إجابة سؤال واحد قد تكفى للرسوب سنوات. حين يعرف المصريون ماذا يريدون حقا سوف تتبدل صور أعوامهم. حين يدفعون الاستحقاقات اللازمة ويؤمنون عن قناعة بأن لكل معادلة مقدمات ونتائج سوف يتحقق لهم الرضاء عن أوضاعهم، حين يتذكرون أن كل نصيب لا يأتى إلا لمن اجتهد، حين يسلمون أنه على قدر الجهد يأتى النصيب، حين يتصالحون فيما بينهم، حين يصالح كل منهم نفسه.. وقتها فقط سوف يبدأ عام جديد. كل عام وأنتم بخير.

سنة حلوة.. بلا حمقى



  بقلم   محمد أمين    ١/ ١/ ٢٠١٢
المشير طنطاوى يعرف أن مصر عصية على اللعب فيها، إلا من نقطة الفتنة الطائفية.. ويعرف أن حماية الإخوة الأقباط واحتفالاتهم، فى أعياد الميلاد، قضية مصرية ومصيرية.. الجهلاء لا يعرفون ويساعدون على إذكاء روح الفرقة.. لذلك كان المشير يقظاً فى دعم الجيش والشرطة وشباب الثورة، لتأمين الكنائس فى احتفالات عيد الميلاد.. فى الوقت الذى يتحدث فيه آخرون عن جواز التهنئة شرعاً!
لا أحد ينسى أحداث كنيسة القديسين.. ولا أحد يريد أن يتذكرها فى الوقت نفسه.. ولولا أن الثورة قامت على أثر الثورة التونسية لقامت بسبب أحداث القديسين.. ومن هنا فقد أسعدنى أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة أصدر بياناً يهيب فيه بجميع القوى السياسية التنسيق مع الأجهزة الأمنية خلال فترة الاحتفالات بأعياد الميلاد، وتوحيد جميع الجهود، حتى تظهر مصر بوجهها المشرق أمام العالم!
مصر فى حاجة إلى عبور جديد.. لا أظنه سوف يحدث إلا بأن نرفع شعار «مصر هى الحل».. أن تكون مصر أولاً.. هنا فقط سنقدم النموذج الوطنى.. ونقدم الصورة الحضارية التى تليق بمكانة مصر وحضارتها.. ليس هذا كلام إنشاء.. لكنه كلام العقل والمنطق.. فلا يعقل أن تكون الثورة لتمزيق مصر.. بينما كان الفساد هو الذى يحافظ على استقرار البلاد!
لابد أن نراجع معانى الرسالة رقم ٩٤.. فهى تتحدث عن مسألتين غاية فى الأهمية: الأولى تتعلق بتهنئة الشعب المصرى العظيم، والإخوة المسيحيين بالعام الجديد، وتلاحظ أن الحكاية عيد شعب لا عيد طائفة.. كما أنها لا تأبه لكلام فارغ عن جواز التهنئة شرعاً أو عدم جوازها.. كما أنها تتحدث عن انطلاقة قوية نحو الاستقرار، لأن تأمين الكنائس تأمين لمصر أولاً!
من المؤكد هناك من يريد أن يعبث فى بلادنا.. يستغل الفرقة والخلاف.. ويستغل تصريحات بلهاء، تتحدث عن اللى عاجبه يقعد واللى مش عاجبه يرحل.. ومن المؤكد هناك أطراف تلعب بالفلوس، وتلعب بالأفكار فيما يعرف بـ«الطرف الثالث».. والتى سميتها فى مقال سابق «العفاريت تسكن مصر».. وإحنا السبب.. نترك بيتنا لمن يعبث فيه ثم نلوم العفاريت، والدول التى تمول الفوضى!
اليوم نستقبل عاماً جديداً، نحصد فيه ثمار الثورة.. أشعر فيه بالأمل والتفاؤل.. أمل ينعقد على يقظة شعب وحضارة شعب.. وتفاؤل ينبنى على رغبة فى العبور.. أتمنى أن تكون احتفالاتنا بالعيد الأول للثورة المصرية دليلاً على أننا نتعافى، وأننا على قدر الحدث، وقدر الثورة.. نجدد العهد لمصر، ونجدد العهد للوطن.. نفتديه بدمائنا وأرواحنا.. ولا نسمح لأحد بأن يعكر مياه الوطن!
أحسن ما كان فى عام ٢٠١١ هو الثورة العظيمة.. وأسوأ ما فيه أننا اكتشفنا شيئاً اسمه «العفاريت» أو «الطرف الثالث»، أراد أن يشوه الثورة مرة، وأن يشوه الجيش مرات.. طرف يضرب النار، ويحرق المنشآت الحيوية، ويقطع الطرق.. مع أن الثورة المصرية كانت رائعة، ونظيفة لا ترمى حجراً ولا ورقة.. كان الثوار ينظفون الميدان.. فهل تبقى ثورة رائعة؟!
لا نضع أيدينا على قلوبنا لأن الثورة فى مفترق طرق فقط.. ولا لأن المجلس العسكرى يريد أن يبقى فى السلطة أكثر.. نضع أيدينا على قلوبنا من الحمقى.. الذين لا يعتبرون بما يقولون.. ولو أنهم خرسوا لكان خيراً للوطن.. فقد أسقطنا النظام بكلمة «ارحل».. ومن الممكن أن نحرق الوطن بكلمة واحدة أيضاً!

بطل اسمه «عمرو عبدالشافى»



  بقلم   د. أيمن الجندى    ١/ ١/ ٢٠١٢
وصلتنى هذه الرسالة من ضابط شرطة، حجبت اسمه لحساسية منصبه. لم أفعل أكثر من إعادة صياغة الرسالة مع الاحتفاظ بمعانيها بأمانة شديدة.. تقول الرسالة:
عزيزى د. أيمن. لم أكن أعرف عمرو عبدالشافى حين اتصلت بى قيادتى، لتخبرنى بموعد المأمورية فى الفجر، للقبض على مسجل خطر فى إحدى قرى سوهاج، اسمه زكريا أبوالعاشق.
قبل أن أستطرد فى الحكاية دعنى أحك لك جانباً من حياتنا نحن الضباط. نعمل- بعيداً عن مدننا- مدة ٢١ يوماً مقابل ٩ أيام إجازة. راتبى لا يتجاوز ألفى جنيه! نستعين على أيام الغربة بالأمنيات البسيطة، مثلاً حين نسمع عن حافز يُوزع على الضباط يصبح مزاجنا منتعشاً ويومنا جميلاً، رغم أنه مائتا جنيه لا أكثر!.. نهتم كثيراً بموعد الإجازة المقبلة، نسعد بانتظارها، بالتفكير فيها، نتعمد أن نترك تذكرة السفر أمامنا لنشاهدها فى الذهاب والإياب، لنُعلّل أنفسنا بقرب لقائنا مع أحبابنا الذين تركناهم هناك. بعضنا سافر وترك ابنته مريضة! بعضنا اشتاق إلى أولاده إلى حد الوجع، بعضنا (مفلس) تماماً وينتظر راتب الشهر المقبل، بعضنا خاطب، ويعرف روعة الحب لأول مرة، مثل المرحوم البطل عمرو عبدالشافى.
الآن أعاود الحكاية، قرر الرؤساء- كما أخبرتك- أن ننزل مأمورية لهذا المُسجّل الخطر فى قرية الواحلية، مركز البلينا. كانت هذه هى المرة الأولى التى أتشرف فيها برؤية البطل عمرو عبدالشافى. دعنى أصفه لك: ملاك! لا أقول هذا لأنه مات، بل تشعر بذلك من الوهلة الأولى. هادئ، رقيق، دمث الخلق، ومن آن إلى آخر ينتحى جانباً، ويتحدث فى الموبايل مع خطيبته، فإذا مازحناه قال باسماً: والله يا جماعة دى الجماعة!».
وجاء موعد التحرك فى الخامسة فجراً. الليل ومزارع القصب الغارقة فى الظلام والطرق الترابية والبيوت الصامتة. ورتل السيارات تسير فى صمت. لم أستطع أن أمنع نفسى من التفكير فى أن مصر نائمة، وكذلك نجوم التوك شو نائمون.
عند الوصول اتفقنا على توزيع المهام: دورى كان تأمين الجهة القبلية من المنزل واقتحامه فى ساعة الصفر المحددة، أما المرحوم النقيب عمرو عبدالشافى فكان فى الجهة المقابلة. وفجأة، وأثناء الاستعداد سمعنا صوت عيار نارى! والذى حدث أن الجانى لم يكن بالمنزل، وفى طريق عودته فوجئ بعمرو يقف أمامه. شرع يجرى بسرعة وعمرو يجرى وراءه! ينادى عليه أن يقف! وكان بوسعه أن يطلق عليه النار، خصوصاً أن المسافة بينهما لم تتعد ستة أمتار! لكنه توارى خلف جدار وأمطره بدفعة من الطلقات أردته قتيلاً.
مات عمرو، وفر الجانى إلى زراعات القصب، لم تتعد كل هذه الأحداث سبع ثوان.
***
فى الجنازة لن أستطيع أن أصف مشاعرى ومشاعر زملائى! لو كان قد مات أثناء إطلاق نار متبادل لما حزنت عليه كل هذا الحزن! أما أن يمتنع عن ضرب النار بشهامة، ويكون جزاؤه هو الغدر فشىء فوق الطاقة والاحتمال!
كانت أمواج الحزن تحملنا وتحطنا، حين اقتربت منا والدته ونحن نحمل جثمانه، وراحت تقول له (هتوحشنى ياحبيب قلبى! ما تخفش يا عمورة زمايلك كلهم معايا، أنا مش لوحدى يا حبيبى).
وحين ظهرت بعض القنوات الفضائية لتغطية الحدث كان رد فعل الأسرة عنيفاً! طردوهم وقالوا لهم: «حرام عليكم سيبونا فى حالنا. أنتم اللى أسقطتم هيبة الشرطة بالحديث المستمر عن السلبيات».
دكتور أيمن.. يبقى شىء واحد: فى اللحظة التى رجعت فيها بيتى، وجدتُ أحد برامج التوك شو، فى شبه (حفلة) قائمة على (التقطيع) فى الضباط وتقاعس الضباط! يا ريت توصف لى يا دكتور أيمن ما الذى كنت ستشعر به لو كنت مكانى؟.

تحيا مصر (على المعونات)



  بقلم   جلال عامر    ١/ ١/ ٢٠١٢
حيرت قلبى معاك فأنا لا أعرف إن كنت حضرتك عضو «ائتلاف» أم «إتلاف» الثورة لكنك تعلم أننى لست عضواً فى جمعية أو حزب أو نقابة أو ناد، وليس لى «أكاونت» على الفيس ولا «حساب» فى البنك، لكننى أنصحك كصديق مثلما تحاسب جمعيات المجتمع المدنى أن تحاسب جمعيات المجتمع الدينى أم مازال كل ما يأتى عبر البحر الأبيض حرام وكل ما يأتى عبر البحر الأحمر حلال أم أن الدينار ابن الوزة البيضاء والدولار ابن البطة السوداء..
فى هذا البلد كل من يتكلم عن الفساد يطلعوه «حرامى» وكل من يتكلم عن الأخلاق يطلعوه «بلبوص» فمصيبة مصر هى العدل الانتقائى والإدراك الانتقائى والانتقاء الانتقائى وهو ما تعلمناه من الونش الذكى الذى لا يرى سيارات الكبار لكنه يشم عربات الغلابة من مسيرة شهر، لذلك يطبق القانون على «المغضوب عليهم» لكنه يتغاضى عمن يقول «آمين» لهذا إذا كان الفيلم «أكشن» يحضر فى نهايته «البوليس» ونسمع «السارينة» وإذا كان الفيلم «رومانسى» يحضر فى نهايته «المأذون» ونسمع «الزغاريد» فأين إقرار الذمة المالية للمخرج والمنتج والريجيسير الذى يورد الأنفار ويستورد السلاح، فبلاش تبوسنى فى عينيا البوسة فى العين تفرق..
وزمان صدر قانون يعاقب من يبلغ عن الاحتكار، ومن يومها عرفنا أن الدولة القوية ليست التى «تشيل الحديد» ولكن التى تحقق العدل، وتحيا مصر (على المعونات) وكلنا يعلم ما الذى أهلك من كان قبلنا وأتعب من جاء بعدنا لكننا لا نتعظ فنراجع الحساب المدنى وهذا مطلوب ونترك الحساب الدينى لأنه مرغوب والحساب العسكرى لأنه مرهوب.. وإذا كان عندك طفل راجع معه قانون نيوتن الأول الذى اخترعه ثم أوصى أن يطبق على ناس ناس واسأله: عمتك أخت أبيك خال ابنها يقرب لك إيه؟ فإذا لم يتعرف عليك استدعى «الونش الذكى» الذى يفرق بين الكبار والصغار ويذكره بأن قانون نيوتن الأول يقول: «كل جسم يبقى على حالته ما لم يؤثر عليه مؤثر خارجى».. وإن الفساد عم البلاد.. وخالها.

النقد الذاتى


  بقلم   د. عمرو الشوبكى    ١/ ١/ ٢٠١٢
فى تاريخ كل الحركات والتجارب السياسية هناك شىء اسمه الاعتراف بالخطأ قد يترجم بالانسحاب من الحياة السياسية أو الاستقالة من موقع المسؤولية، أو تقديم نقد ذاتى بغرض التصحيح والتقدم للأمام.
التجارب الفاشلة هى التى لا يستمع مسؤولوها ولا قادتها إلى أى نقد، ويعتبرون أنهم دائما على صواب وأن الآخرين إما متمردين أو حاقدين، هؤلاء سرعان ما تختفى تجاربهم وتصبح ذكرى غير طيبة لأنهم تعاملوا مع السياسة على أنها «ولولة» و«تطجين» وليست علما واعترافا بالأخطاء من أجل التقدم وإعادة البناء.
لم تحقق الأحزاب المدنية الواعدة النتائج التى كانت تريدها، وأولها حزب العدل الشاب، مروا بالوسط وانتهاء بالاجتماعى الديمقراطى، صحيح أنها أحزاب ظهرت بعد الثورة مقارنة بالإخوان والسلفيين (كانوا موجودين كجماعات دعوية قوية وتحولوا فجأة إلى أحزاب سياسية) إلا أن واجبهم أمام أعضائهم ومناصريهم أن يقولوا لهم أين الخلل، ولماذا لم يحققوا النتائج المرجوة فى هذه الانتخابات.
هناك أسباب تتعلق بالظروف المحيطة بالعملية الانتخابية، والتى كانت فى كثير منها فى غير صالح الأحزاب المدنية، إلا أن الأخيرة ارتكبت سلسلة من الأخطاء بدأت بالدفاع عن واحد من أسوأ القوانين الانتخابية (نظام القائمة بصورته الحالية)، لتقدم هدية للتيار الإسلامى تستحق الشكر، فى مشهد يدل على حجم الانفصال الذى يعيشه جانب من هذه التيارات عن الواقع المعاش، وكيف أنها على مدار ١٠ أشهر دافعت عن خيارات تخصم من رصيدها فى الشارع.
سنظل نكرر ما سبق أن قلناه مرارا عن ضرورة تبنى النظام الفردى فى الانتخابات مطعما بنظام القوائم، والمقصود هنا أن يغطى الأول ثلثى الدوائر بصورة لا تختلف كثيرا عن الدوائر القديمة، ثم يتم اعتماد نظام القائمة فى الثلث الباقى على مستوى كل محافظة، فتعطى مثلا محافظة القاهرة ٢٠ مقعدا والقليوبية ٥ والجيزة ١٠ وهكذا تبعا لعدد السكان.
وأيا كان الرأى فى أى مقترحات تتعلق بقانون الانتخابات القادم، فإن القوى المدنية ارتكبت على الأرض أخطاء كثيرة أدت إلى خسارتها، فكثيرا ما دخلت فصائل قريبة من بعضها فى منافسات صغيرة واتهامات أصغر وبعضها سلطت عليها قيادات خصمت من رصيدها، وهى كلها أمور تحتاج إلى مناقشة مفتوحة ومصارحة حقيقية مع الذات لا تكتفى بتبرير الخسارة بأن الطرف الآخر ردد شعارات دينية وارتكب تجاوزات أثناء العملية الانتخابية.
على كل القوى المدنية سواء تلك التى تمتلك مرجعية إسلامية (الوسط) أو تلك التى تمتلك مرجعية وسطية (العدل) أو يسارية ديمقراطية (الاجتماعى الديمقراطى) أو ليبرالية (المصريين الأحرار) أو محافظة (الوفد) ـ أن تفتح نقاشا حرا لأن كل هؤلاء كانت لهم طموحات أكبر بكثير من النتائج.
إن لبعض هذه القوى تراث فى تقبل النقد الذاتى أذكر منه رد فعل حزب الوسط حين كتبت العام الماضى مقالا تحت عنوان المواطن الحائر بين الحكومة والمعارضة، انتقدت فيه طريقة بعض قادة الحزب فى التعامل مع الجمعية الوطنية للتغيير وخصصت صديقنا المحامى اللامع عصام سلطان، وتوقعت نقاشا خلافيا محترما بيننا، ولكنى فوجئت بنشر المقال على موقع حزب الوسط كما هو واتصال هاتفى من المحامى الشهير لشرح وجهه نظرة.
نغم هناك تراث لدى كثير من التيارات المدنية والإسلامية الوسطية فى المراجعة والاعتراف بالأخطاء يمكن البناء عليه من أجل المستقبل.

فضيله الأعتراف بالخطأ

لمشكله كامنه فى عاده بدائيه هى ان معضم الناس يحبون أن يصبحوا قودا وهذه النقيصه ساهمت فى فناء الهنود الحمر حيث تعددت القبائل وكثر الزعماء واصبح القول بأن الموجود أغلبهم زعماء فقط Too many chiefs, not enough Indians. بعد نجاح الثوره ظهر العديد من الأحزاب والأتلافات والزعامات, المحتوى غالبا واحد والفارق فى أسماء الزعامات والمتحدثين الرسميين وغير الرسميين, ولم يكن السبب أن الثوره كانت إلى حد كبير تنظيم عفوى بل ويعكس أيضا عدم مقدره عمل الجميع من خلال فريق وهذه نتيجه سوء التربيه والنشأه. وكان الأجدر عمل تنظيم يشمل كل ذوى الأهداف المتقاربه وتتم أنتخابات داخليه كل عام لأختيار قيادات الحزب مماثله للجمعيه العممويه لأى شركه عندما تختار قيادتها بناء عل نجاحها فى السوق. فى مقابل هذا كان هناك تنظيم على الأرض منذ نيف وثمانون عاما مبنى على السمع والطاعه وله مصادر تمويله وقيادات معروفه وهيرركيه Hierarchy واضحه لكوادره. ظنى أن هذه المشكله لن تحل إلا بتكوين معارضه قويه يتولاها النخبه لتكوين تحالف معارض لا يملك الثلث المعطل, فهل هذا ممكن. أشك كثيرا فهناك حزب الوفد الذى كان عملاق الليبرايه فى مصر فأصبح لا يجيد إلا التحالف مع القوى الموجوده بل ويصبح كعب أخيل للمعارضه(غمست أم أخيل طفلها فى ماء الخلود ولكن كانت ممسكه بكعبه فلم يبتل وصار نقطه ضعفه وقتل بسهم مسمم فى كعبه) فهل يعود الوفد لقياده المعارضه أم التحالف مع الأخوان. ما ذكرته عن التشرزم كسبب ما وصلت إليه الأحزاب وشباب الثوره, فهل يعود هؤلاء إلى رشدهم. بقى شىء غامض ساهم فى هذا وهو تحالف الأسلاميون مع المجلس العسكرى فهل يستمر التحالف أم يحدث تصادم. وفى جميع الأحوال يجب أن تنبع قوه المعارضه من ذاتها ولا تعتمد على تصادمات بين أطراف أخرى فهل هذا ممكن؟

كوريا الزعيم وكوريا الوطن



  بقلم   خالد منتصر    ١/ ١/ ٢٠١٢
فى يومين متتاليين شاهدت مشهدين مدهشين من كوريا، ولكن شتان بين ما شاهدته فى كوريا الأولى الشمالية والثانية الجنوبية، الأول مشهد النحيب والصراخ والولولة على رئيس كوريا الشمالية الذى رحل، والمشهد الثانى كان عن نظام العمل الصارم وعبقرية الإدارة وحرية الإبداع فى واحدة من كبرى إمبراطوريات كوريا الجنوبية الصناعية وهى شركة سامسونج، عند عرض المشهدين فى فيديو كليب واحد ستعرف حتماً الفرق بين مجتمع مقموع ومجتمع حر، وستعرف لماذا وصلت كوريا الجنوبية إلى ما وصلت إليه من نهضة ورخاء، ولماذا وصلت الشمالية إلى ما وصلت إليه من تدهور فى كل شىء من دخل المواطن حتى حقوق الإنسان، ولم تقدم للعالم إلا إبداعها فى تقنية الصواريخ النووية؟!
لن أتحدث كثيراً عما شاهدته فى فيديو كوريا الجنوبية الذى لا يعتبر إعلاناً أو ترويجاً لسلعة معينة، فإمبراطورية سامسونج لا تقف وحدها وإنما هناك إمبراطورية «هيونداى» وإمبراطورية «إل. جى»... إلخ، وكلها منظومة واحدة تنتمى إلى تقديس العلم والعمل والحرية، وكل ما ستقرأه أو تشاهده عن دولاب العمل والإنتاج فى إمبراطوريات كوريا الجنوبية الصناعية وعصامية أصحاب تلك الإمبراطوريات وحماس العاملين فيها وحبهم للعمل وكأنهم فى صلاة، هو شىء مبهر ويدعو للغيرة خاصة من مجتمع يقدس الكسل مثلنا، وها هو لينك الفيديو لتشاهدوا وتحكموا بأنفسكم
http://www.youtube.com/watch?v=٣znrs٦mt٨zm
أما فيديو النحيب والولولة على زعيم كوريا الشمالية الراحل فحتماً شاهده معظمكم على شاشات التليفزيون، شعب «فوتوكوبى» ليس فى شكل العيون فحسب ولكن فى شكل الملابس وشكل الانسحاق أمام السلطة وشكل الإحساس بالضياع عند فقد الملهم! ولضيق المساحة سأعرض سريعاً بعض المعلومات لتعرفوا سبب وخلفيات هذا المشهد الكورى الشمالى المأساوى السريالى.
الزعيم الذى رحل فى ديسمبر الماضى هو الزعيم والقائد المحبوب، وابنه الوريث هو الزعيم المميز، أما الأب كيم سونج فيطلق عليه الزعيم والقائد الأبدى!! تمثال الأب الأبدى الذى حكم لمدة «٤٦ سنة» أعلى من ناطحة سحاب، أما الراحل كيم يونج فكان يحب النساء السويديات ذوات السيقان الطويلة، وكان يمتلك سيارة مرسيدس بقيمة عشرين مليون دولار، وهوايته المحببة أن يصوب بمسدسه على مصابيح أعمدة الكهرباء فى بيونج يانج، وحينما أعجبته الممثلة (شوى اون هوى) خطفها من هونج كونج!، هذا الذى يذرفون الدمع عليه ويلطمون الخدود ويشقون الجيوب كان قد قتل زوجة رئيس كوريا الجنوبية بارك شونج، ثم مجموعة من الوزراء (الكوريين الجنوبيين) كانوا مجتمعين فى بورما، ثم ختم بـ١١٥ مسكيناً على ظهر طائرة كورية جنوبية.
ومثلما حرم الحاكم بأمر الله أكل الملوخية حرم الحاكم بأمر الدبابات والصواريخ حضور حفل عيد ميلاده لمن يزيد طول شعرها على سبعة سنتيمترات!...
كل هذا الجنون والظلم والديكتاتورية والفقر والضنك ومازال الشعب الكورى الشمالى يبكى قائده المحبوب.

بابا نويل والبلطجية



  بقلم   د.سحر الموجى    ١/ ١/ ٢٠١٢
قابلته قبل منتصف ليلة أمس فى ميدان التحرير. رأيته فجأة جالسا إلى يسارى على الرصيف بجسده الضخم وذقنه البيضاء الطويلة ونظارة شمسية. أخبرنى أنه بابا نويل، وأنه لم يأت مصر منذ ديسمبر الماضى. «أعرف طبعا الحدث الأساسى لعام ٢٠١١. لقد قمتم بثورة يتحاكى عنها العالم.
لكننى جئت كى أسمع منكم كيف ترون هذا العام». قلت له: من الصعب أن ألخص أهم أعوام حياتى، فبعد أن عشنا كل السنوات الماضية فى موات، لا شىء يحدث، ولو حدث شىء فهو كارثة تذهب فيها أرواح المصريين، فجأة يأتى كل يوم بجديد. قال: لا تلخصى. فقط انتقى ما ترينه الأهم. قلت: لقد أتى شلى ٢٠١١ بوطنى، عاد إلىّ كاملا بهيا، بل هو أجمل وأبهى من أقصى خيالاتى. الناس هم الحدث الأبرز للعام. أتعرف ما هى السوءة الكبرى لنظام المخلوع؟ إنه قد جعلنا نكره أنفسنا.
ثم جاءت الثورة. كيف أحكى لك عن بهاء البشر؟ عن الشجاعة والقوة والإصرار فى أيام الثورة الثمانية عشرة وحتى اليوم! لقد أذهلنا أنفسنا. كأننا أفقنا من سباتنا وقد فهمنا معدننا الحقيقى. وقفنا فى الشوارع والميادين نصرخ من أجل الحرية والكرامة ومات شهداء لنا ولم نخف. بل أكملنا.
قال: تبدين سعيدة جدا. عيناك تلتمعان بالفرحة. ضحكت عاليا: أتعرف أن هذا العام جعلنا نكتشف كنزا استراتيجيا هائلا فى مصر. إنهم البلطجية يا عزيزي. ولدينا منهم أشكال وألوان. هناك بلطجية بمؤهلات عليا: أطباء ومهندسون وفنانون وكتاب وشيوخ أزهر وطلبة متفوقون وأساتذة جامعات. لدينا كذلك بلطجية من أطفال الشوارع. أما الفرع المتميز فهو البلطجية الشهداء، هؤلاء الذين ماتوا بطلق الرصاص وهرس المدرعات وألسنة المرتزقة والمغيبين. البلطجية الشهداء، بعد أن يموتوا، يحاكمون بتهمة محاولة قلب نظام الحكم وهدم الدولة وبيعها قطاعى فى سوق الكانتو. كما أن لدينا وحصريا الفرع الحريمى الجديد، فهؤلاء النساء أقوى من سانجام وأشرس من أمازونات الغابات. إنهن يبطحن أدمغتهن ويكهربن أنفسهن ثم يرمين بأجسادهن وسط الجنود بعد خلع ملابسهن فى عرض الشارع فى محاولة لإلهاء العسكر عن مهمة حماية شرف مصر.
كانت ابتسامتى قد راحت واختنق صوتى بالدموع. لم أدر إلا وكفه الكبيرة تتجه إلى وجهى تتحسس موقع الدموع وتمسحها. لحظتها أدركت أن بابا نويل فاقد للبصر. أزحت برفق كف يده وأنا أردد: أنا آسفة أنى بكيت. لكنك لابد أن تعرف أن هذا الغضب الذى يعتمل داخلنا هو وقود استمرار الثورة فى العام الجديد. فليقتلوا كما شاؤوا، فليسحلوا ويعذبوا ويمنحوا القتلة البراءة، لقد عادت مصر إلينا وهيهات أن ينتصر القبح والعبودية والمصالح الغبية الضيقة. النصر لنا.
ثم التفت إليه متسائلة: أين هديتى للعام الجديد؟ قهقه عاليا وهو يقول: لقد أفلست منذ زمن طويل يا ابنتى. لذا تأتينى ألملم حكايات آخذها لأطفال العالم. ومعظم حكايات هذا العام تأينى منكم أيها المصريون. يا لكم من شعب عجوز حكيم عنيد!
وعندما قام مستندا على عصاه وتركنى، كانت الساعة تدق الثانية عشرة، وقد عادت الدموع تنهمر ساخنة على وجنتى وأنا أدرك أن هديته قد وصلتنى: أول حرف فى أول كلمة فى أول جملة فى ٢٠١٢ عن ثورة مازلنا نكتب صفحاتها، والتى سنكتب نهايتها بأيدينا، نحن البلطجية.

ينقصنا الإخلاص.. للخلاص



  بقلم   سليمان الحكيم  
ها هو عام يولى مدبراً بظهره.. وعام يقبل علينا بوجهه ونحن على ما نحن فيه طيلة أعوام مضت، لا فرق بين نظام أنهيناه ونظام آخر بدأناه فمازالت الصحف تحمل لنا نفس العناوين ومازالت آذاننا تسمع نفس التصريحات التى تحمل لنا وعوداً بالمن والسلوى وصلاح الحال، فلا نرى تحت أقدامنا غير الوحل الذى عرفته أقدامنا أعواماً بعد الأعوام، ورغم ذلك فمازالت تراودنا نفس الأحلام والتطلعات، بيننا وبين الوطن، حب، من طرف واحد نقترب منه فيبتعد ونكلمه فلا يعيرنا السمع، نبتسم فى وجهه فيعبس، ونربت على كتفه فيجفل!
ليست هذه هى مصر التى نريدها ولسنا نحن الشعب الذى تريده، كلانا أصبح غريباً عن الآخر، لا هى وطننا ولا نحن شعبها.. لا هى أمنا ولا نحن أبناؤها!
قام الأبناء بثورة على الأب، فغضبت الأم، وهجرت البيت فنزل الأبناء إلى الشارع وفى الميادين يبحثون عنها ليعيدوها إلى البيت ويعيدوا إليه الشمل الذى تفرق والوئام، وما تبدد، ولكنها أصرت على البقاء على حالها رافضة العودة إلى بيت بلا رب وأبناء بلا أب!
ولكنهم لا يريدون أباً كأب، ولا رباً كرب، ولا بيتاً كبيت، لقد سئموا أشباه الآباء والأرباب وملوا الحياة فى بيت يشبه البيوت ووطن يشبه الأوطان، يريدون أباً حقيقياً يعطى أكثر مما يأخذ، ورباً يعين ولا يستعين، وبيتاً يشع بدفء الجماعة واللمة فلا يدخله صقيع المشاحنة والخلاف.
مرت الأيام لتصبح شهوراً ومرت الشهور لتكون أعواماً ونحن على هذا الحال من الانتظار والترقب، عيوننا مصوبة نحو الروزنامة على الحائط، وأيدينا تمتد إليها يوماً بعد يوم لتنزع أوراقها ورقة بعد ورقة، فلا جديد تحمله إلينا كل الأيام فى يوم وكل الأعوام فى عام فأدمنا مخادعة النفس والتلهى بالكذب عليها، فسمينا الشتاء «ربيعاً» فجاء ليحمل لنا العواصف والأتربة حتى أصبح صقيع الشتاء وزمهريره أرحم بنا من عواصف «الربيع» وأتربته كل شهور الروزنامة «أمشير» وكل أيامنا «طوبة»!
احتفلنا بعيد ميلاد المسيح ونحن ننتظر لحظة ميلادنا.. لحظة المخاض طالت وآلام الوضع أكبر من أن يحتملها جسدنا المنهك «طوبى للغرباء»، هكذا قال لنا المسيح ليبشرنا بالنعيم نحن الغرباء فى أوطاننا والغرباء فى بيوتنا وبين أهلينا!
هو المسيح عيسى الذى قال «جئت لألقى على الأرض ناراً وحبذا لو تضطرم»، وقد ألقينا على الأرض ناراً يا سيدى المسيح وحبذا لو تخمد حتى لا نخمد نحن!
لا ينقصنا سوى الإخلاص.. للخلاص.. فهل من مخلص يخلصنا؟!

الأصــــــــــــــالة والـــتـــــــــــاريخ: لأول مرة.. زراعة لسان لمريض بالسرطان فى السعودية

موسوعه حكم مصر من بداية عهد الفراعنة https://youtu.be/jJ