الثلاثاء، 3 يناير 2012

يا أهل الحل والعقد.. فكوا عقدة الأسرى


  بقلم   منتصر الزيات    ٣/ ١/ ٢٠١٢

أيام قليلة وتحيط بنا ذكرى ثورة عظيمة تبقى خالدة فى عبق التاريخ، تتذكرها الأجيال القادمة جيلا وراء جيل، الذكرى الأولى لثورة لم تكتمل فصولها بعد، ثورة انطلقت بفحيح صراخ الشعب المصرى، بشبابه وشيوخه، بنسائه ورجاله، بأقباطه من المسلمين والمسيحيين، ولم تزل تعارك أصنافاً شتى تسعى لعرقلة مسيرتها واستبطاء النصر.
تقترب منا الذكرى الأول لشعلة الثورة، ولم يزل فى سجونها أسرى، ثاروا فى وجه مبارك ونظامه، صرخوا فى وقت صعب ندُر فيه المجاهرة بالحق والصدع به، ثلة منا.. من شبابنا.. أقصد من دخلوا السجن وقتها شباناً.. قالوا لمبارك لا.. قالوا لنظامه لا.. قالوا لزبانيته لا.. لا لظلمك واستبدادك واستعبادك العباد قبل أن يستشرف الناس ظلمه واستبداده وجوره، أو قبل أن يجرؤ أحد على البوح بمكنونات الصدور.
فى سجون مصر الآن أربعون رجلا أو أزيد قليلا، ثلاثة وأربعون حصرا، بعضهم عنونوا قضاياهم بـ«العائدون من أفغانستان» وبعضهم «العائدون من ألبانيا» وبعضهم «العائدون من السودان» ربما لو طال المقام بمبارك وجلاديه لافتعلوا قضايا «العائدون من الصعيد» أو «العائدون من بحرى».. كانت قضايا مفتعلة لأناس خرجوا من مصر فرارا من بطش الجلاد وسجنه، بعضهم ذهب للقتال فى أفغانستان برعاية رسمية من الدولة المصرية، ولما انتهى الجهاد بهزيمة الروس افتعلت السلطات قضية «العائدون من أفغانستان» قبل أن يعودوا، لتمنع عودتهم.. العائدون لم يرجعوا وقتها، حوكموا غيابيا أمام قضاء استثنائى عسكرى بغير ضمانات حقيقية..
 أذكر بعض أسمائهم لعل الذاكرة تسترجع «رفاعى أحمد طه».. لم يرد اسمه فى أى قضية من قضايا العنف الدينى غير هذه القضية المفتعلة، لأن المقصود منعه من العودة!! «محمد شوقى الإسلامبولى».. كل جريمته أنه شقيق خالد الإسلامبولى قاتل السادات، وقد عاد طوعا بإرادته بعد الثورة المباركة فى ٢٥ يناير.. «عثمان السمان» اتهم ظلما باسم كنية لآخر.
والذين اتهموا بالعودة من ألبانيا مثل المهندس «محمد الظواهرى» لم يذهبوا إليها أصلا حتى يعودوا منها!! كل جريمته أنه شقيق الدكتور أيمن الظواهرى.. أحكام صدرت غيابية، كلها تهم بالانتماء إلى جماعة أُسست على خلاف القانون، تسعى إلى قلب نظام الحكم!! لكن لم يتورط أحدهم ممن ذكرت أو غيرهم من الأربعين رجلا فى قتل أو تفجير أو ترويع.. جريمتهم أنهم قالوا لا لظلم مبارك، عارضوه علنا وقد تمتعوا بحريتهم، قالوا على رؤوس الأشهاد لا لمبارك، عاد بعضهم طوعا وبعضهم قسرا، لكن اتهامهم كان سياسيا، والأحكام التى صدرت بحقهم خارج نطاق القانون.
الآن ونحن نخاطب أهل الحل والعقد، سواء كانوا فى المجلس الأعلى للقوات المسلحة أو فى المجلس الاستشارى أو فى البرلمان المنتخب، نتوجه إليهم جميعا بطلب العفو عن هؤلاء المحبوسين ظلما، لا نطلب من واقع إنسانى فحسب، أو بمناسبة احتفالية جرى العرف على صدور قرارات العفو فيها، لكن أيضا من منطلق قانونى صحيح، فغاية ما اتهموا به هو الانضمام لجماعة أسست على خلاف أحكام القانون ومحاولة قلب نظام الحكم وإسقاط الدستور، وكلها تهم سياسية يتسلح بها كل نظام فى مواجهة خصومه، فإذا ما سقط النظام سقطت مثل هذه الأحكام، وقد رأينا السادات أطلق من سجنهم ناصر، وفى تونس الثورة عاد الغنوشى بعد أيام قليلة إلى بلده رغم صدور أحكام بالإعدام بحقه من محاكم بن على وعشرات أو مئات مثله.
وعلى هذا، ولما كانت التعديلات الدستورية التى جرى الاستفتاء عليها فى أعقاب ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ المجيدة، وما أعقبها من إسقاط لدستور ١٩٧١، وإصدار إعلان دستورى مؤقت، وما تبعه من إصدار قانون جديد لتنظيم تكوين وإنشاء الأحزاب، أسقط فيه المجلس الأعلى للقوات المسلحة جميع القيود التى كانت مفروضة على اعتناق الأفكار أيا ما كانت، وأقر فيه الحق لجميع طوائف المجتمع فى تكوين الأحزاب بمجرد الإخطار.
وإذا كان هؤلاء السجناء قد أدانهم الحكم بتهمة الانضمام إلى تنظيم غير مشروع هو (الجماعة الإسلامية)، وأن هذا الفكر الذى كان يعتبر فكرا محظورا مستوجبا عقاب معتنقيه قبل الثورة وقبل التعديلات الدستورية والتشريعية، بينما لم يعد هناك – بعد الثورة – أى قيود على الأفكار أو على تكوين وإنشاء التنظيمات الحزبية، ومعلوم أن الجماعة الإسلامية أسست حزبا يعبر عنها ويتبنى فكرها دون أدنى حرج حصد حتى تاريخه ثلاثة عشر مقعدا، ونقلت وسائل الإعلام قاطبة أول جمعية عمومية لأعضاء الجماعة الإسلامية التى انتخبت قيادتها وقررت خلالها تأسيس حزب سياسى.. الأمر الذى يبين منه أنه لم يعد جائزا أو مقبولا الاستمرار فى معاقبة هؤلاء السجناء عن فعل صار الناس يمارسونه بلا حرج فى ظل الأوضاع الجديدة!!
 ولعل أقرب مثال على ذلك هو جماعة الإخوان المسلمين التى كانت أيضا تعد جماعة محظورة فى السابق، وكان أعضاؤها يحاكمون لمجرد اعتناق أفكارها، وبعد الثورة ارتفع الحرج عن الفكر أيا ما كان، وشرعت الجماعة فى تكوين حزب يعبر عن مواقفها وحصدت أغلبية البرلمان بعد جولتين من الانتخابات، ولا يتصور عاقل أبدا أن يجرى بعد الثورة اتهام أحد ومعاقبته لمجرد انتمائه لجماعة الإخوان، الأمر الذى يبين منه أن القوانين التى صدرت بعد الثورة تمثل فى حالتنا المعروضة قانونا أصلح للمتهم، يتعين النزول على حكمه وحده دون المواد العقابية التى توسدها الحكم الطعين.

د.على السلمى يكتب: فى انتظار جولة جديدة من الحوار الوطنى


٣/ ١/ ٢٠١٢

طرح الدكتور يحيى الجمل اقتراحا استجاب له السيد منصور حسن بالدعوة إلى جولة جديدة من الحوار الوطنى يجمع رؤساء والقوى السياسية وممثلين عن شباب الثورة وقادة الرأى والشخصيات العامة. وقد سبق لى أن تابعت وغيرى من المصريين مناسبتين للحوار الوطنى تمثلتا فى مؤتمر الوفاق القومى برئاسة دكتور يحيى الجمل ومؤتمر الحوار الوطنى برئاسة دكتور عبدالعزيز حجازى اللذين عقدا فى مايو الماضى.
 وقد شاركت فى هذين المؤتمرين، كما كنت مسؤولاً عن إدارة حوار سياسى حول وثيقة المبادئ الأساسية لدستور الدولة المصرية الحديثة شارك فيه عدد كبير من الأحزاب والقوى السياسية وشباب الثورة. وكانت هذه التجارب مثار نقاش وجدل بين المشاركين، كما قاطعتها أحزاب وقوى سياسية، واتخذ البعض منها موقفاً سلبياً رافضين جدوى البحث عن التوافق بين المصريين حول أمور الوطن.
وأعتقد أن الهدف الأهم لحوار وطنى يجرى فى مرحلة انتقالية بين عهدين لابد أن يكون موضوع البحث فيه هو عن سبل التخلص من جميع عناصر ومقومات وسياسات وممثلى النظام السابق والتوصل إلى توافق وطنى حول ملامح النظام الديمقراطى المستهدف الذى تكون السيادة فيه للشعب فعلاً لا قولاً، وسبل تهيئة البنية الوطنية دستورياً وتشريعياً وسياسياً للانتقال الآمن إلى النظام الجديد.
إن قيمة أى محاولة جديدة لحوار وطنى تتناسب طردياً مع حيوية وخطورة القضايا التى يتناولها فى ضوء اللحظة التاريخية التى يتم فيها، وليس من شك أن القضية الوطنية الأولى فى مصر الآن هى ضرورة إحداث التحول الديمقراطى على أسس تكرس الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية، وتضع مؤسسات الحكم فى موضعها الصحيح كونها مؤسسات تشريعية أو تنفيذية أو رئاسية منتخبة من الشعب لتنفذ إرادة الشعب وتقوم على خدمته، وهى فى كل الأحوال موضع المساءلة والمحاسبة البرلمانية والسياسية والشعبية فى كل وقت.
كذلك فإن نجاح الحوار الوطنى يتوقف على دقة تحديد محاوره فضلاً عن غايته، ومن ثم يكون مفيداً أن يركز الحوار على المحاور الرئيسة لقضيته المحورية والمبادئ العامة المحققة لها دون الغوص فى تفاصيل إجرائية يمكن أن تكون موضوعات لحوارات تفصيلية تالية حال التوصل إلى التوافق المجتمعى حول المحاور المفصلية للقضية الوطنية الأولى، وفى رأيى أن الاتفاق على غاية هذا الحوار المنتظر والقضية المحورية التى يجب التركيز عليها - هو نقطة الانطلاق فى التخطيط ودعوة المشاركين فيه حتى لا يضل المتحاورون السبيل وتختلط الأوراق ويكون مصيره مثل سابقيه.
وفى رأيى أن القضية التى تحتاج إلى الدراسة بغية التوصل إلى توافق وطنى حولها هى الدستور ونظام الحكم الديمقراطى «وكان هذا موضوع مؤتمر الوفاق القومى» ونظام الحكم المحلى المناسب لتحقيق التنمية المحلية واللامركزية، ومن الطبيعى أن يمتد الحوار إلى الحريات والحقوق العامة وضمانات الالتزام بها وحماية حقوق المواطنة. وفى ضوء الرفض المعلن من حزب الحرية والعدالة وحزب النور وجماعة الإخوان المسلمون والجماعات السلفية مناقشة معايير اختيار أعضاء الجمعية التأسيسية لوضع الدستور الجديد، تصبح مناقشة هذه القضية واجبة وأيضاً فى ضوء انسحاب حزب الحرية والعدالة من المجلس الاستشارى.
كذلك ينبغى أن يناقش المؤتمر قضايا سياسة مهمة منها إلغاء حالة الطوارئ والالتزام بالإفراج عن المعتقلين أو المحتجزين من شباب ٢٥ يناير والتعهد بعدم ملاحقتهم أمنياً أو التضييق عليهم فى نشاطهم السياسى والإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين ومن صدرت لهم أحكام بالبراءة ثم أعيد اعتقالهم بقرارات من وزراء الداخلية فى العهد السابق، ومنع محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكرى.
ولا شك أن قضية تنشيط الاقتصاد الوطنى تحتل أهمية بغرض الاتفاق بين أعضاء المؤتمر المنتظر على منهجية واضحة لإدارة الاقتصاد الوطنى، خاصة بعد تصاعد أطروحات مختلفة من جانب بعض الأحزاب والقوى الإسلامية لتطبيق نماذج من أفكارهم الاقتصادية.
وقبل أن ننهى مناقشة المقترح الخاص بعقد جولة أخرى من الحوار الوطنى لابد أن نتدارس الدروس المستفادة من تلك التجارب ونتجنب أخطاءها لعلنا نحقق قدراً من النجاح فى الجولة القادمة، وأهم الدروس التى اتضحت من الحوارات الثلاثة الماضية أنها جميعاً قد تناولت موضوعات على قدر من الأهمية وجرت خلالها مناقشات بناءة،
ولكن للأسف لم يتم الالتفات إليها من الحكومة والمجلس الأعلى للقوات المسلحة التى جرى تنظيم تلك الحوارات بتوجيه منهما، فإلى جانب دكتور يحيى الجمل، نائب رئيس الوزراء السابق شارك اللواء ممدوح شاهين، عضو المجلس فى إدارة مؤتمر الوفاق القومى، وعهدت الحكومة إلى الدكتور عبد العزيز حجازى برئاسة مؤتمر الحوار الوطنى، وكان الحوار حول وثيقة المبادئ الأساسية للدستور جزءاً من برنامج التنمية السياسية والتحول الديمقراطى الذى تعهدت به حكومة الدكتور عصام شرف وباركه المجلس الأعلى للقوات المسلحة. وثمة درس آخر ينبغى على منظمى الحوار المنتظر الالتفات إليه ذلك هو مقاطعة بعض الأحزاب والقوى السياسية تلك الحوارات لكونها تناقش موضوعات لا تتفق وتوجهاتها ومصالحها الذاتية، بغض النظر عن المصالح القومية.
وفى اعتقادى أنه من دون التزام المشاركين بالعمل على تطبيق ما انتهى إليه المؤتمر، يصبح الحوار جهداً ضائعاً وإهداراً للوقت والموارد، ومن ثم لا بد أن تنتهى الجولة من الحوار بوثيقة للتوافق الوطنى يوقعها رؤساء الأحزاب والقوى السياسية والشخصيات العامة المشاركة معلنين التزامهم بها أمام الرأى العام.

خسائر الثورة


  بقلم   صلاح منتصر    ٣/ ١/ ٢٠١٢

كل ثورة تقوم على بناء القديم الذى نَخَرَ فيه سوس الفساد، وتقيم الجديد الذى يضيف إلى خير المواطن وخدماته واقتصاده، وعندما ننظر إلى ثورة يناير نجد أنها نجحت بالفعل فى هدم نظام تعمق فى الفساد وكان طبيعياً أن ينهار، لكنها لم تستطع أن تبنى حتى اليوم دعائم الجديد الذى يعوض المواطن، مما جعله فى مؤخرة الدول، وهناك رأى يقول إنه لم يثبت نظام واحد فى مصر منذ ثورة يوليو ٥٢ على امتداد ٦٠ سنة، فجمال عبدالناصر اختار النظام الاشتراكى إلا أنه فشل ليس فى مصر فقط وإنما فى جميع الدول التى اختارته، وعندما انتقل السادات إلى الاقتصاد الحر اتهم بأنه اقتصاد السداح مداح وتعرض للهجوم أكثر من التأييد، ويبدو أن مبارك أراد أن يتفادى ما حدث لعبدالناصر والسادات فأقام ما يمكن أن يكون اللانظام!
وبصرف النظر فإن الحادث عمليا فى خلال أول سنة من الثورة ليس فقط عدم إقامة الجديد، وإنما وهذا هو الأخطر، الانتقاص من الرصيد القائم الذى كان يمكن أن يبنى عليه، هذا الانتقاص لم يكن فقط من الاحتياطى النقدى أو الدخل القومى من السياحة وأنشطة الإنتاج وإنما الأهم يا خسارة مساحة الأرض الزراعية التى تمثل رصيداً للأجيال.
فى حصر لوزارة الزراعة قدرت أنه ما إن غفلت عين القانون بسبب الفوضى التى سادت خلال حالة الانفلات الأمنى التى عانينا منها حتى امتدت الأيدى إلى الأرض الزراعية ولهفت فى عشرة أشهر ١٢ ألف فدان حولتها إلى أراضى بناء سرعان ما أقامت فوقها وبسرعة غريبة آلاف البنايات العشوائية التى تفرض أمرا واقعا يقول بأن هذه الأرض أصبحت خارج الأطيان الزراعية وانضمت إلى أراضى البناء. وفى حوار مع أحد تجار حديد التسليح قال لى إن تجارته كانت تعتمد على المشروعات الحضرية فى المدن وقد توقفت هذه المشروعات منذ يناير وأصبحت تجارته تعتمد بصورة أساسية على مبانى العشوائيات فى الريف وهى وإن كان استهلاكها من حديد التسليح محدودا إلا أنه مع كثرة المبانى العشوائية بصورة كبيرة زاد استهلاك الحديد.
وحسب تقارير وزارة الزراعة فإن المساحة التى جرى انتزاعها بطريقة غير قانونية من الأرض المزروعة فى الأشهر العشرة الماضية، كان المخالفون ينتزعونها فى عشر سنوات وكانت الأجهزة المعنية تحرر ضدهم مخالفات تنتهى عادة قرب أى موسم انتخابى بالعفو عن مرتكبيها! وسواء التى انتزعت من قبل أو التى انتزعت فى الشهور الأخيرة بعد الثورة فإنها جميعها تم فرضها كواقع جديد دون أى تخطيط أو مراعاة لصورة جمالية مما حول مصر إلى دولة تغلب عليها العشوائية.
مازال هناك الأمل فى استرداد حق الأجيال التى سرقت أراضيهم من الخريطة الزراعية ومعاقبة المخالف فقد سمعت وزير الزراعة فى مداخلة هاتفية فى أحد البرامج التليفزيونية يقول إن هناك ٣٠٠ ألف مخالفة ارتكبت خلال هذه الشهور وأن رئيس الوزراء شدد على تنفيذ جميع المخالفات مهما كانت قيمتها وبالتنسيق مع وزارة الداخلية والشرطة العسكرية من خلال جدول زمنى يبدأ تنفيذه من يناير. يا سلام.. هل هذا ممكن؟

هلاوس «العباسيين».. والسيدة الأولى!


  بقلم   محمد أمين    ٣/ ١/ ٢٠١٢

عندى ملاحظتان جديرتان بالاهتمام فى محاكمة مبارك، الأولى: كلما عاد «مبارك» إلى القفص، تعود من جديد أحلام العباسيين فى قصر الرئاسة.. هم لا يرون «مبارك» مخلوعاً ولا سابقاً.. يرونه مغدوراً به.. الثانية: هناك فرق بين الإسراع والتسريع.. فلا نحن نريد إسراعاً، ولا تسريعاً الآن.. جائز أننا كنا نريد كليهما فى السابق.. الآن نريد التأجيل كنوع من المواءمة السياسية، إلى ما بعد انتخابات الرئاسة!
لا يحتاج الأمر إلى شرح كثير.. لكن لا مانع أبداً.. كلنا تابعنا حكم البراءة فى قضية ضباط السيدة زينب.. لا أحد انشغل بحكم الضباط فى حد ذاته.. انشغلنا أكثر باحتمالات البراءة، فى قضية «مبارك» نفسه.. رمز قضائى كبير نبهنى: من الحكمة الآن تأجيل محاكمة «مبارك» قدر الاستطاعة.. حتى تكتمل مؤسسات الدولة.. شعب وشورى ورئاسة، وشرطة وجيش.. لأن براءة «مبارك» واردة!
وإذا كانت براءة ضباط السيدة قد حدثت فى المحكمة الابتدائية، فلا يستبعد أبداً الحكم ببراءة «مبارك».. ولا معنى لهذا بأن القضاء فلول.. بالعكس.. الحكاية أن الأدلة لا تكفى للإدانة.. صحيح سيكون هناك طعن حول فساد الاستدلال، وقصور التسبيب.. لكن ستحدث صدمة رهيبة.. لا تتحملها الدولة حالياً.. وقد يطالب «العباسيون» بتصحيح الأوضاع وعودة المخلوع، ورد اعتباره، وإعادته إلى قصر الرئاسة!
لا أستبعد هذا السيناريو الخرافى بالطبع، لعدة أشياء، الأول: أن البراءة بالطريقة المحتملة لا تجعل «العباسيين» يطلقون الألعاب النارية فقط، وإنما قد تدفعهم إلى المطالبة برد الاعتبار، والعودة إلى رئاسة الجمهورية. الثانى: أن الفلول المختبئين وراء العباسيين هم أول المستفيدين من انتكاسة الثورة. الثالث: انتخاب مرشح رئاسى أقرب للنظام يحمى «مبارك»، ويعطى حصانة للجيش!
أحلام العباسيين بلا حدود.. وهناك مؤشرات تدعوهم للصمود، أولها: أن رأس النظام هو الذى سقط فقط. ثانيها: أن حكم براءة «ضباط السيدة» مؤشر جيد. ثالثها: أن تكييف القضايا فى صالح المتهمين. رابعها: أن التحريات والأدلة تدعم هذه الاحتمالات.. وربما لهذه القراءة لم يمت «مبارك» ولا رجاله فى جلودهم.. وإنما عاد الرجل، أمس، يرتدى نظارة رئاسية فاخرة.. كأنه ذاهب إلى التشريفة!
لا أريد أن أثير الفزع فى النفوس.. فقط أصارحكم بقراءة غريبة للأحداث.. ماذا لو صدر حكم البراءة؟.. كيف يكون رد الفعل؟.. ما موقف العباسيين؟.. كيف يستقبله فلول النظام؟.. ما قدرة الثورة على الاحتمال؟.. ما قدرة الأجهزة الأمنية على استيعاب اللحظة؟.. أسئلة مهمة تحتاج إلى إجابات شافية.. وكلها تنقلك إلى السؤال الأهم: من هو رئيس مصر القادم؟!
أحد العباسيين ظهر بوضوح فى أسيوط.. كشف عن وجهه القبيح.. أرسل نشرة إلى المكتبات، للاحتفال بعيد الأسرة تحت رعاية سوزان مبارك.. ربما يقول قائل إنها غلطة موظف.. كتب رسالة على صيغة قديمة.. وأقول لا.. البعض لا يؤمن بالثورة، ولا يشعر بها.. ينتظر عودة «مبارك» والسيدة الأولى.. إنها أحلام العباسيين.. وهى لا تختلف عن أحلام «مبارك» ورجاله فى العودة!
كلما عاد «مبارك» إلى القفص عادت الهلاوس والذكريات.. وسيعود إلى المركز الطبى العالمى.. فما يحدث تأكيد لدولة المؤسسات: محاكمة وقفص وقضاء وإعلام وبراءة.. عدالة وديمقراطية، تجدد أحلام العباسيين.. سيناريو مخيف ومرعب، لكنه افتراضى.. ساعتها ربما نقبل عودة «مبارك»، لكن لا نقبل عودة سوزان، سيدة أولى مرة أخرى، كيلا تفسده من جديد!

صالة «كبار الثوار»


  بقلم   جلال عامر    ٣/ ١/ ٢٠١٢
لا أحد يقيم دعوى ضد عشماوى لأنه ينفذ «الإعدام» لكننا لم نكن جناة ولم يسألنا أحد «نفسكم فى إيه» قبل التنفيذ، فطوبى للشهداء والعار للجلادين.. ومنذ أيام كنت فى «التحرير» فاسمحوا لى بأن أسجل امتنانى للحفاوة التى قوبلت بها وأن أقبل يد كل ثائر وثائرة.. أما بعد فإن صديقك من صدقك لا من صدّقك، وكلمة الحق لم تترك لى صديقاً، فبعد «التحرير» بيوم سأل الإعلامى الكبير، فى برنامج التليفزيون، الحاضرين عن الأسباب التى أدت إلى الثورة فتحدثوا عن الفساد، التوريث، التعذيب، التزوير
ثم جاء الدور على أحد كبار الثوار ليقول إن السبب هو «أننا قبل الثورة بسنة نزلنا إلى الشوارع والقرى والنجوع ونزعنا من الناس الخوف وزرعنا فيهم الأمل وأحدثنا فيهم التغيير فنزلوا».. تصدق حضرتك وتؤمن بالله إن جمال عبدالناصر اللى شال «الملك» بإيد واحدة والإنجليز بالإيد التانية لا يستطيع أن يقول ذلك، ويقال إن التواضع لله سبحانه وتعالى فعندما سألوا «جيفارا»، محرر كوبا والدول المجاورة، عن البطل الحقيقى للثورة قال «الفلاح البسيط»، ولأن رصيدى فى «التليفون» وليس فى البنك، وأملى فى الشعب ورزقى على الله لذلك أتذكر أسطورة «نرجس» الإغريقى الذى نظر إلى صورته فى الماء أو فى المرآة أو على شاشة التليفزيون فعشق نفسه وانتقل من الثورية إلى «النرجسية» ومن أحب نفسه كرهته الناس وحرام أن نعانى من الاستبداد «العسكرى» والاستكبار«الدينى» والاستعلاء «المدنى».. هذا الشعب هو القائد وهو المعلم.. وعندما حضر «الإسكندر» الذى بنى مدينة الإسكندرية للسلفيين اشترط عليه الكهنة أن يزور واحة سيوه ليتعمد ويصبح فرعونا لكن توفيراً للنفقات حول الكهنة الزيارة إلى مدينة الإنتاج الإعلامى لصنع فرعون جاهز وتفصيل. أيتها الثورة العظيمة كم من الجرائم والجرائد ترتكب باسمك.
ويقال فى كتب التفسير إن «يوسف»، عليه السلام، وبحسن نية قاد أباه ليريه ردهات القصر والمكانة التى وصل إليها فقيل له مشيت أمام أبيك فلن يكون من أبنائك نبى وخرج الأنبياء من نسل إخوته والله أعلم، فالتواضع لله والمجد للشعب الذى لا يمشى أحد أمامه.
فهل ننزع لافتة «صالة كبار الزوار» من المطار ونضع لافتة «صالة كبار الثوار» فى ميدان التحرير.. العقل زينة والعين حزينة.

صنم «الخمسين فى المائة» المقدس


  بقلم   خالد منتصر    ٣/ ١/ ٢٠١٢

هل كل من يعارض نسبة «الخمسين فى المائة عمال وفلاحين» فى مجلس الشعب هو خائن وكاره ومصاص دماء للعمال والفلاحين؟ سأجيب عن هذا السؤال بعدة أسئلة لتحفيز البحث وإعادة التفكير فى تلك القضية التى باتت فزاعة تطلق فى وجه من يثيرها بغض النظر عن نواياه.
هل منعت نسبة «الخمسين فى المائة عمال وفلاحين» بيع القطاع العام وتصفيته وبيعه خردة بأبخس الأثمان؟ رغم تلك النسبة التى كان من بينها فى إحدى الدورات ستون لواء شرطة وجيش دخلوا المجلس تحت جلباب وأفرول الفلاح والعامل. فى وجودها شُرد مستأجرو الأراضى الزراعية وبتصفيق حاد من المجلس، إذن تلك النسبة ليست ضماناً على الإطلاق للحفاظ على حقوق العمال والفلاحين، ومن السهل جداً أن يكون لابس الجلباب والأفرول أداة مضادة وطابوراً خامساً ضد طبقته.
العامل الحقيقى هو الذى أتعلم منه وأقف أمامه تلميذاً منصتاً عندما يتحدث عن تاريخ وكفاح الطبقة العاملة المصرية، مثل المناضل أبوالعز الحريرى والمرحوم عطية الصيرفى، هذا العامل عندما يرشح تحت أى لافتة وبمجرد اسمه وتاريخه سيكتسب المصداقية ودون كوتة مفروضة أو نسبة مسبقة، وبالطبع ليس كل عامل أو فلاح بالضرورة قارئاً جيداً لمصالح طبقته المطحونة، وليس كل أفندى مغيباً عن تلك المصالح!
هل خالد محيى الدين، ابن الثراء والجاه والأفدنة الممتدة على مرمى البصر لعائلة محيى الدين فى كفر شكر، كان معادياً لمصلحة الفلاح الأجير والعامل البسيط؟ هل أبناء الباشوات مثل محمد سيد أحمد والهلالى وغيرهما ممن ذاقوا السجن والعذاب من أجل دفاعهم عن العمال ضد الفقر والنهب والظلم يجب طردهم من جنة البرلمان لمجرد أنهم أفندية؟ هل شهدى عطية ورفاقه ممن ذُوبوا فى حمض الكبريتيك فى غياهب سجن الواحات وتغذت على دمائهم العقارب كانوا فى رحلة ترفيه بعيداً عن صراخ فقراء العمال؟
هل عندما كتب يوسف إدريس عن عمال التراحيل فى رواية «الحرام» كان بعيداً عن هموم الفلاحين لأنه طبيب؟ أليس طه حسين الأفندى دارس الأدب والشعر هو الذى نادى بأن يكون التعليم كالماء والهواء مجانياً لفقراء العمال والفلاحين؟ هل المرحوم أحمد عبدالله الذى عاش مع أطفال المدابغ ودافع عن حقوقهم، وهو الذى عاش فى إنجلترا وعلّم أجيالا من الدبلوماسيين، نحرمه من لقب «عامل» ونمنحه لسعد محمد أحمد وعائشة عبدالهادى وزيرى القوى العاملة؟!!
نسبة «الخمسين فى المائة» ليست نصاً مقدساً، ولابد أن تراجع لأنها استغلت أعظم استغلال وأول ما استُغلت فيه كان سرقة حقوق العمال والفلاحين والالتفاف عليها وسحق إنسانيتهم، قانون الإصلاح الزراعى فكر فيه أفندية مطربشون وغير مطربشين، القطاع العام بكل المزايا والخطايا فكر فيه أفندية لا تنطبق عليهم صفة عامل فى ترشيحات البرلمان، والحفاظ على حقوق العمال والفلاحين ليس مستمداً من نسبة مفتعلة ومقررة سلفاً، وإنما يستمد من برامج أحزاب تعبر عن معاناة ومشاكل هذه الطبقة المسحوقة، أحزاب تتشكل حول نواة صلبة من المطالبة بحقوق هذه الطبقة المنسية المهمشة المطحونة. نحن أمام عصر جديد يحتاج إلى فكر جديد ولا يحتاج إلى أصنام، سواء كانت تلك الأصنام نصوصاً أو حكاماً أو أفكاراً.

العالم يعيد صياغة ذاته


  بقلم   نشوى الحوفى    ٣/ ١/ ٢٠١٢
لم تمنحه دقائقه وساعاته، رغم طولها، الفرصة ليكمل ما بدأه من عملية إعادة تشكيل لوحة العالم ومعالمها. رحل ٢٠١١ وهو يحاول لاهثاً إكمال وضع لمساته على تفاصيل الكون، ولكن هيهات فـ«للزمن» قانون لا يمكن تخطى قواعده. ترك العام المنصرم للعام الجديد ٢٠١٢ مهمة إتمام ملحمة إعادة صياغة العالم دون أن يُمنح الفرصة ليرى نتيجة فعلته. وليتركنا نحن أيضاً فى حيرتنا نتساءل مع اللحظات الأولى لعامنا الجديد عما ستكون عليه الملامح النهائية لتلك العملية. يا الله.
كم كان عاما ملغوما بالوقائع والأحداث، انكبت فيه أمم العالم على ذواتها رغم متابعتها ما يجرى حولها وتأثرها به، كلٌ يظن أنه محور الكون، وأن العالم يدور حول مركزه متناسيا خوالق أخرى تمر معه بعملية التحور الذاتى والخلق من جديد. الجميع منشغل بذاته، بينما عام ٢٠١١ منشغل بوضع لمساته التى تركت آثاراً لا تُمحى من صفحات التاريخ. ينفخ فى العالم العربى أنفاسه فتثير فيه ثورات يصفها بـ«الربيع»، يطيح بعضها برؤوس أنظمة ظلت جاثمة لعقود على أنفاسنا دون أمل فى نسمة هواء متحررة، بينما لايزال بعضها الآخر يحاول إكمال المسيرة.
يبث فى نفوس أمم أوروبا الخوف من الفوائد والفقر وتخفيض الميزانيات، فيخرجون فى انتفاضات ضد الرأسمالية المتحفزة دوما للأثرياء والمعطلة لطموحات البسطاء. فتكون الفوضى فى لندن عاصمة الضباب فى أغسطس، وتليها احتجاجات أثينا الغارقة فى الديون، وروما التى كادت أن تلحق بها لولا رحيل الدونجوان، ويخرج متظاهرو إسبانيا فيطالبون هم أيضاً بمطالب تتردد أصداؤها بين متظاهرى «وول ستريت» شارع المال الأمريكى فى نيويورك، ليبدأ غليانه تحت وطأة المحتجين الرافضين لسيطرة ١% من الأمريكان على دنيا الثراء.
وبعصاه السحرية يرسل ٢٠١١ نسماته المتحررة للشرق حيث الدب الروسى الذى يرفض ألا يكون ضمن ركب الهبّات الشعبية، فيخرج الروس هم أيضاً مرددين هتافاتهم المطالبة بالحرية ضد قيصر روسيا فى الألفية الثالثة «بوتين»، الذى لم يمل من لعبة الحكم رئيسا للدولة ورئيساً للوزراء على مدى ١٢ عاما مضت، فيعلن نيته الترشح مجددا للرئاسة، ويُتهم بتزوير الانتخابات البرلمانية التى يرفضها الروس. حتى أولاد العم لم يرض ٢٠١١ بتركهم دون مشاركة منهم فى تلك الهبّات، حيث ثاروا على قوانين الدولة العبرية الجائرة التى تظلم الطبقة الوسطى لصالح ذوى المصالح.
وهكذا مد ٢٠١١ يد الانتفاضة للشعوب دون تمييز كى تعلن عن ضجرها وسأمها من الطغيان أيا كانت صوره ومشاهده، منحها روح التغيير بلا قيود وطالبها باستغلال الفرصة التى قد لا تعود. وفى مقابل الشعوب كانت هناك حكومات تبحث لنفسها عن أدوار جديدة تلعبها فى تلك الملهاة التاريخية، سعت لأن تسجل اسمها فى سجل الأحداث بكل الطرق.
الصين تواصل الصعود الاقتصادى بسرعة الصاروخ، وتركيا تفسح لنفسها مساحة جديدة فى حيز القوى، وإيران تتحدى المنطق مُدعية فضل المد الإسلامى لثورتها وتغض الطرف عما يحدث فى سوريا، ودول الخليج تحارب الطوفان باللين تارة، وبالعين الحمراء تارة ثانية، وبالمؤامرات تارة ثالثة. حتى السودان انفصل جنوبه عن شماله تاركاً ظل الحائط العربى مفضلاً عليه ظلالاً أخرى. ولم يكن من الممكن أن تترك الإدارة الأمريكية كل تلك الفرص دون اقتناص، فخلعت قناع الوداعة الزائف وقررت فى غمرة تلك الأحداث اتباع سياسة الاغتيال العلنى على مرأى من العالم فقتلت بن لادن والعولقى دون رجفة عين بتهمة الإرهاب.
وهكذا سارت أفعال ٢٠١١ جريئة ومؤثرة فقررت إعادة صياغة الكون. ويبقى الرجاء أن يأتى ٢٠١٢ بما يمنحنا السكينة بعد كل هذا الفوران.

الاثنين، 2 يناير 2012

الأصــــــــــــــالة والـــتـــــــــــاريخ: عام جديد وعهد للوطن

من أحصاهم «أغلبية».. ومن نعتهم بـ«الصامتين»؟


  بقلم   د.طارق الغزالى حرب    ٢/ ١/ ٢٠١٢

امتلأت الساحة الإعلامية المصرية بعد الثورة بالعديد من التعبيرات التى لا يعرف أحد على وجه الدقة من وراء ظهورها وانتشارها، يحمل معظمها معنىً غامضاً وغير مُحدد ويختلف فهمه ورد الفعل تجاهه من شخص إلى آخر.
من أكثر هذه التعبيرات استفزازاً- لى شخصياً على الأقل- وصف هؤلاء العبيد (لا العباد) الذين يتجمعون (أو يُحشدون) كل حين وحين بأحد ميادين القاهرة- كان آخرها ميدان العباسية على بعد أمتار من مصحة الأمراض النفسية والعقلية الشهيرة- بأنهم «ممثلو الأغلبية الصامتة»، يرفع بعضهم صور الطاغية المخلوع، ويرفع آخرون صور بعض من زبانيته الموجودين إلى الآن على الساحة، ويرددون الهتافات المناوئة للثورة والثوار والعبارات البذيئة ضد الشرفاء من السياسيين والإعلاميين.
لست أدرى- أولاً- من أعطاهم حق أنهم يُمثلون أحداً، أغلبية كانت أو أقلية، وعلى أى أساس توزيع الصفات والمناصب على بعض منهم، فهذا رئيس ممثلى الأغلبية الصامتة، وهذا أمين عام ائتلاف، وهذا متحدث رسمى، وغير ذلك من الألقاب التى ينعت بها نفسه أى من هذه الشخصيات التى اختارت التحالف مع قوى الثورة المضادة وأنصار الاستبداد، سواء من اختار ذلك عن جهل أو طمعاً فى شىء ما أو بحثاً عن دور، أو من تم التغرير بهم من أجل استخدامهم لأغراض محددة فى المخطط الجهنمى لإجهاض الثورة وتشويه قادتها، الذى يرعاه بعض من أعضاء المجلس العسكرى وفلول القوى الأمنية، بتخطيط شيطانى توجهه قوى خارجية لا تريد لمصر أن تنهض من كبوتها، إنهم يدعون أنهم يمثلون «الأغلبية» التى هى- حسب أقوالهم- تريد الاستقرار والأمان والحفاظ على الدولة وجيشها وإنقاذ الاقتصاد، وأنا لا أعتقد أن هناك مصرياً وطنياً واحداً لا يريد هذا الذى يدعون إليه أو يختلف عليه..
 إن الشعب المصرى كله وليست أغلبيته فقط تنشد هذه الأهداف وتريد تحقيقها، ولكن هناك طليعة ثورية قائدة وثق فيها الشعب كله أيام ثورته العظيمة تريد أن يتم ذلك بدون التفريط فى المبادئ الإنسانية والقِيم العُليا التى يتوق إليها الشعب المصرى بعد أن غابت عنه طوال تاريخه، وارتضاها شعاراً لثورته ودفع الآلاف من الشباب حياتهم ثمناً لها، والتى بدونها أيضاً لن يكون هناك استقرار ولا أمن ولا إنتاج بل ولا دولة بالمعنى العصرى، وهى الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.
صحيح أن هناك أغلبية عاشت لعقود طويلة فى ظل ثقافة الطغيان وعانت من ضعف المعرفة والوعى وانتشار الأمية، وتحت تأثير إعلام فاسد مأجور خلط مفهوم الدولة فى عقول العوام بالنظام الاستبدادى وشخوصه، فكم سمع هذا الشعب طوال عصر الانهيار والفساد والقمع والنهب والسلب تعبير «مصر مبارك» تنطق بها ألسنة المنافقين الكذابين ليل نهار، وما زال فى الذاكرة عنوان صحيفة الأهرام العريقة «يوم وُلدت مصر من جديد» فى ذكرى ميلاد الطاغية.. أقول إن كل هذا بلا شك فد أنتج أغلبية من عوام الناس الذين خلطوا مابين الدولة وحكامها، والذين يظنون بحسن نية أنهم يدافعون عن مصالح وطنهم بدفاعهم عمن يحكمهم مهما كان استبداده وطغيانه..
ولكن صحيح أيضاً أن نفس هذه الأغلبية قد واجهت فى ٢٨ يناير انهياراً حقيقياً لأجهزة الدولة، بل التآمر المجرم المنظم على الشعب، بمنتهى الشجاعة والوعى الغريزى الحضارى بإدارة شؤون الدولة بأنفسهم وتكوين اللجان الشعبية فى كل مكان للحفاظ على الأنفس والممتلكات والتصدى لعملاء النظام الساقط وبلطجيته بعد أن شعروا بالعزة والفخر والتحرر من الخوف وإرهاصات عصر حرية كانت بشائره تبدو فى الأفق. هذه الأغلبية هى التى يتاجر بها تلك «الأقلية» من المأفونين الذين يتجمعون لنصرة الاستبداد والمُستبدين كل حين مُدعين بكل الفُجر والبجاحة أنهم يمثلونهم..
ولم تكن هذه الفئة الضالة فى يوم من الأيام من الصامتين، بل على العكس فإن صوتهم أو بالأحرى فحيحهم لم ينقطع منذ اليوم الأول لاندلاع الثورة، فهم يطلون على عامة الشعب الجالسين فى بيوتهم وقد أصابهم الإحباط مما يحدث للثورة وأهدافها يومياً فى كل البرامج التى تتناول شتى المجالات الإعلامية والسياسية والدينية والفنية وحتى الرياضية.. فهذا أحد زعماء هذه القلة المشبوهة التى تدعى التحدث باسم «الكتلة الصامتة» يظهر يومياً فى صورة إعلامى فى القناة التى أنشأتها له أمه، كما قال، وترعاها أجهزة أمنية متآمرة ضد الثورة، وآخرون منهم يظهرون يومياً فى برامج سياسية كخبراء استراتيجيين خاصة بالقنوات الرسمية يطلقون التصريحات والتلميحات والأكاذيب عن الثورة وينشرون الخوف والفزع بين الأغلبية من العوام الطيبين،
وهناك من يرتدى عباءة الدين يُحلل ويُحرم ولا يشغله إلا خروج النساء وملابسهن، حتى البرامج الرياضية اليومية استغل فيها كباتن كرة القدم المتقاعدون والمعلقون الرياضيون المُرتزقة الساعات المطولة التى تُمنح لهم فى التهجم على الثورة والحسرة على عهد فاسد بائد استطاع فيه هؤلاء التافهون أن يكونوا مليونيرات.. خلاصة القول أن أغلبية الشعب الطيب المُحبط إكراهاً والصامت إكراهاً لا يمكن أن يُعبر عنهم تلك «الأقلية الزاعقة» المُتآمرة خُدام الاستبداد فى كل زمان ومكان.
ملحوظة: كتبت الأسبوع الماضى عن إعلام الكذب والتضليل والتدليس ورموزه، واليوم لابد أن أشير إلى رموز إعلام على الجانب الآخر يُمثلون الطليعة فى كتيبة الإعلام المهنى الوطنى الصادق الشجاع النزيه الذى يبتغى وجه الله والوطن، والغريب أن تهاجمهم حُثالة البشر الذين كتبت عنهم اليوم.. تحية خاصة إلى القدير يسرى فودة والرائعة ريم ماجد.

إلى القوى الإسلامية الصاعدة سياسياً: لا تمزقوا الوطن

عندما أشارت الساعة إلى منتصف الليلة الأخيرة من عام ٢٠١١، تذكرت ذات اللحظات منذ عام مضى، وكان العام الجديد قد بدأ منذ نصف ساعة عندما تلقيت اتصالا بأن انفجارا كبيرا وقع فى الإسكندرية أمام إحدى الكنائس منذ عشر دقائق، وأن المعلومات المتاحة حتى اللحظة أن الانفجار كبير.. تركت منزلى إلى مكتبى فورا لمتابعة الحدث، وكان ليل القاهرة يحتفل بميلاد العام الجديد، ولم يكن قد عكرته الأنباء الدامية بعد. كان هذا هو حادث كنيسة القديسين الذى راح ضحيته أكثر من عشرين مصرياً ومصرية وأصيب حوالى ثمانين مصرياً ومصرية، كانوا يحتفلون بقدوم العام الجديد بالتدين المصرى المعتاد، فاختاروا أن يصلوا فى الكنيسة استقبالا لعام جديد، فأنهت حياتهم أياد مجرمة.
هذا الحادث طرح نقدا حادا لأسلوب الدولة فى ذلك الوقت فى التعامل مع المسألة المصرية المتعلقة بتمكين مفهوم المواطنة، وأكد فى الوقت ذاته أهمية العمل السريع من أجل تأكيد هذا المفهوم قولا وفعلا، وأكدت شخصيا من خلال ما كنت أكتب وقتها أو من خلال اللقاءات، وأثناء حوارى مع البابا شنودة بعد الحادث بأيام قليلة، أن الطريق الوحيد لاستمرار هذا الوطن قويا معافى هو التأكيد على مفهوم الدولة المدنية التى يقف القانون فيها سيدا على مسافة متساوية من كل المواطنين، بغض النظر عن الجنس أو الدين أو العرق أو اللون، وطنا واحدا لكل المصريين. كان هذا الحادث مقدمة لأحداث كبيرة وعظيمة زلزلت مصر وغيرت صورتها، وفرضت على أبنائها مسؤولية رسم طريق المستقبل.
كان الأمل أن يقودنا ما حدث فى مصر إلى منطقة قادرة على ضمان وحدة الوطن، والتأكيد على أن مصدر قوة هذا الوطن تكمن فى تعدده، ولكن هذا يعتمد بالأساس على قدرتنا نحن على أن نجعل هذا التعدد مصدر قوة، أو أن يكون قاعدة تمزيق وتفتيت. مع الأسف الشديد، فإن الحوار الدائر فى مصر الآن لا يدفع إلا إلى منطقة التفكيك، تفكيك أوصال الوطن وإضعافه، وذلك لأسباب متعددة، ليس هذا مجال الحديث عنها الآن، ولكن النتيجة النهائية أننا بتنا نسمع، بل نشارك دون أن ندرى فى طرح أسئلة كنا نظن أنها دفنت تاريخيا، لكننا اليوم نكتشف أنها وجدت من ينفض عنها غبار السنين ويفرضها على أجندة الوطن.. بدأنا نسمع أسئلة وآراء عن الجزية وولاية غير المسلم وحرمانية أن يحمل المسلم للمسيحى مشاعر الحب، أو أن يهنئه بالعيد..
 بدأنا نسمع عن دولة المسلمين فى مصر ودولة الأقباط القادمة.. بدأ من كانوا يتوارون وهم يطالبون بتدخل دولى يظهرون على الساحة أكثر جرأةً، لأنهم يمتلكون الآن ما يدفع المصريين الأقباط لأن يشعروا بالخوف، يضاف إلى ذلك أن أولئك الذين كانوا يحملون لواء الدفاع عن المواطنة كحق أصيل بدأوا يتوارون أو يخفتون أصواتهم إن لم يسكتوها تماما وذلك نفاقا للقوى الدينية الإسلامية الصاعدة، التى احتلت واجهة العمل السياسى، ولأنهم لا يريدون صداما معهم بحثا عن دور أو عدم تربص بهم، فاختفى الكثير ممن احتلوا موقع النخبة - كما اعتادوا دوما - عندما احتاجهم الوطن لمواجهة التراجع فى مفهوم المواطنة.
لست فى موقع النصح، ولكنى من موقع المواطن الذى له الحق فى أن يطلب من كل الفاعلين على الساحة السياسية أن يعملوا من أجل هذا الوطن.. من هذا الموقع أوجه كلمتى هذه إلى القوى الدينية الإسلامية التى احتلت موقعا متميزا فى المشهد السياسى، بأن يدركوا أن العمل السياسى ينبغى ألا يكون عملا دعويا، وأن السياسة تعنى العمل على تقوية الدولة وليس دق أسافين التمزق فى أوصالها، وإذا كان قد قدر لكم أن تلعبوا هذا الدور السياسى المتميز فى هذا المستقبل القريب فلتكن نظرتكم أكثر شمولا من أجل وحدة هذا الوطن، لذلك أدعوكم إلى التوقف الفورى عن طرح موضوعات الانشقاق، وأن توجهوا قواعدكم إلى التوقف التام عن اللعب بنار الفتنة وأنتم قادرون على ذلك، وأن يصدر عنكم ما يؤكد التزامكم بمفهوم المواطنة، ويرتبط بذلك من السلوك والإجراءات ما يؤكد صدقكم فى تبنى هذا المفهوم.
دائما أقول: إن مصر دولة خلقت لتبقى، ولا أتمنى أن يكون بعض أبنائها سببا فى تمزيقها أو حرقها.
كل عام وأنتم بخير  

يا مصر


  بقلم   د. لميس جابر    ٢/ ١/ ٢٠١٢

يا مصر.. يا مهد المولد وفرحة الطفولة.. وأيام الصبا ومثوى الآباء والأجداد.. وبهجة الأعياد والمواسم يا مصر.. يا حب العمر وهم السنين والأيام.
كل عام وأنت مصر بأهلها الحقيقيين الذين لا يحصدون دوماً سوى الخسائر والمرارة، بينما باسمهم يهتف ويصرخ دوماً من يتكسبون ويهرولون للقفز فوق مقعد، ويتعاركون لثأر قديم ويتسابقون من أجل قضمة من كعكة جديدة معجونة بدمك وآلامك.. ناضجة فوق حرائق كنوزك وتراثك وتاريخك.. أنا يا مصر من جيل الآباء الذين ما شاهدوا قط سوى قنابل وحرائق الأعداء والمحتلين.. والذين ما عانوا قط سوى من إيذاء الغرباء.. لم نلعن ولم نسب ولم نتهم ولم نخوِّن سوى الغاصبين والطامعين فى شبر من أرضك أو ذراع..
نحن الذين لم نعرف عن فرنسا سوى أنها قاتلة المليون شهيد فى الجزائر ومعذبة جميلة بوحريد وبوعزة وهاتكة أعراض العرب وضاربة بحقوق البشر عرض كل الحوائط، وهى فى الوقت نفسه تحمل علم الثورة الفرنسية «الحرية.. الإخاء.. المساواة». وتحت هذا الشعار، ظلت فى المغرب العربى ١٢٦ عاماً تعمل بدأب على تجريف الثقافة ومحو الهوية واللغة.. لم نعرف عنها سوى أنها شنت علينا حرباً غاشمة عام ١٩٥٦، مع الإنجليز واليهود وكانوا ثلاث دول.. كان أيامها شبابنا وإخوتنا الكبار يحاربون مع المقاومة الشعبية على خط القنال، ونحن نمسك الأقلام بصعوبة لنرسم الدبابة والمدفع، والمارد المصرى الذى يقف بقدميه فى بحر القنال رافعاً علم مصر الحر الأخضر.. وكنا صغاراً.
كانت طائرات الأعداء تضرب وتحرق وتدمر فى عمق القاهرة وشباب مصر يموتون، بعد أن يستميتوا دفاعاً ومقاومة، نحن الذين لم نعرف عن بريطانيا العظمى سوى أنها هى التى احتلت مصر لمدة سبعين عاماً، وهى التى قتلت الشباب المصرى والفلاحين والفلاحات بالطائرات والقنابل فى عام ١٩١٩.. وحاربت الألمان فى الحرب العالمية الثانية فوق رؤوسنا ودفعنا دماراً وخراباً بلا ذنب فى حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل.. لم تكن تريد أن ترحل ولا أن تجلو من أرضنا.. وبعد شهور عادت لتضرب وتدمر، مع فرنسا ومع إسرائيل، أراضينا وموانينا وقنالنا، نحن الذين سنظل كارهين ورافضين لإسرائيل حتى الممات.. ولن نتصور إسرائيل سوى لص ملتوٍ سارق الأرض وكاذب وملفق وشعب لا أصل له، يبحث عن أصول وهوية فى أرض كنعان وأرض مصر.. أرض الحضارات والتراث والثقافة والأديان.. شعب يبدع فى المجازر ويتفنن فى المذابح لا يعرف سوى حقوق الإنسان اليهودى، ولا تعرف عنه رؤوس الأمريكان إلا أنه شعب السلام والحق والديمقراطية، لأنه شعب الله المختار له الرفعة والنصر والقنابل النووية، ولنا نحن العقل وضبط الأعصاب وحقوق الإنسان والمنظمات الأهلية.
نحن الجيل الذى أصابه الغثيان من الإفك والادعاء من دولة «تمثال الحرية» وحامية حمى البشر والإنسانية، وهى الآن تعلن أنها «الرب الأعظم» تخرب وتدمر وتهدد وتقسم وتقتل وتزيف وتتسيد تحت رايات الديمقراطية وحقوق الإنسان، لتضع حذاء إسرائيل فوق رؤوسنا نحن العرب وهو الهدف والمراد.
نحن الجيل الذى يحاول أن يرى فى تاريخه زعماء شرفاء وأياماً مضيئة، ويرفض أن يلطخ من عمره وعمر آبائه مائة عام.. ويرفض أن يصبغ أيامه بصبغة العار والحضيض.. ويرفض أن يهان جيشه الوطنى الشريف العريق الذى تتحاكى بعبقريته الدول، والذى رفع رأس الأمة عالياً فى ١٩٧٣، وأعاد الأرض المسلوبة، نحن الذين لم نرَ شباباً يقذف بالحجارة إلا فى وجه إسرائيل وجنودها السفلة السفاحين باقرى بطون الحوامل وقاتلى الأجنة والشيوخ، ونحن الذين نرفض هيمنة العلم الأزرق ذى النجوم البيضاء، بينما أبناؤنا يهرولون إلى هناك ويفاخرون بمقابلة المشاهير منهم وتسلّم جوائز الحرية والثورة، ويقفون فى الميادين يطلبون المساعدة لإسقاط جيشهم الوطنى الوفى ذى التاريخ المضىء بعد أن بلغ عمره المائتى عام.. يطلقون عليه لفظ «العسكر» وكأنه جيش المماليك والانكشارية والألاضيش..
اختلفت الرؤى، وانعكست الحقائق، والأعداء الأزليون أصبحوا أصدقاء ودعاة حرية وديمقراطية، والرأى الحكيم لصالح الوطن أصبح ثورة مضادة وفلولاً.
انظرى يا مصر إلى الأبناء.. كم تفرقوا شيعاً وفرقاً متنافرة اختلط عليهم الحق والباطل.. مشغولين بسباب أصحاب الرأى المختلف بأفظع الألفاظ وهم واهمون أنه هكذا الثورة والوطنية.. يخونون ويهددون الآباء ويصفونهم بالعبيد وهم يشكرون الأمريكان والناتو.. بعد أن تاهت من أعينهم مصلحة الوطن وظلمتهم نخبة فاسدة.. كانت بالأمس القريب من حملة مباخر السلطان ولم تتصد، ولم تطالب يوماً بالتغيير، وتحولت فى يوم السادس والعشرين من يناير الماضى إلى كتيبة من ساكبى أنهار النفاق والكذب أمام الشباب حتى انزلق ليحصدوا هم ما استطاعوا من غنائم.. وظلمهم إعلام أعمى يظن أن مصلحته بعيدة عن مصلحة الوطن، وأنه قادر على القفز من السفينة وهى تغرق.. انظرى يا مصر وابحثى عن الشيطان المتخفى خلف المشهد، يتحين الوقت المناسب ليطفئ نورك ويشوه جمالك ويمحو بهاءك وروعة إنسانك.
انظرى فأنت أصل الحكمة.. أنت مصر.. الساهرة.. الطاهرة.. الصابرة.. الثائرة.. الساخرة.. الآمنة الرائعة دوماً بإذن الله.

الخروج الآمن للمصريين


  بقلم   أنيسة عصام حسونة    ٢/ ١/ ٢٠١٢

أعتقد أن الشهر المتبقى على انتهاء المرحلة الثالثة للانتخابات البرلمانية وعقد مجلس الشعب جلسته الأولى فى ٢٣ يناير هو الشهر الحاسم فى وضع خريطة الخروج الآمن للمصريين إلى دولة ديمقراطية تعكس تمثيلا مستحقا لهم جميعا عبر توافق واسع النطاق فى الاجابة عن الأسئلة الصعبة، وحسم الجدل حول الأطر الحاكمة للتحرك المستقبلى، الذى يضمن مكاسب واستحقاقات كل الأطراف الفاعلة على ساحة المشهد السياسى المصرى.
لقد أثبتت الشهور الماضية أن تجاهل أىٍ من أصحاب الحق فى هذا الوطن له عواقب وخيمة علينا جميعا، وأن منطق القوة، سواء العسكرية أو السياسية أو الجماهيرية، ليس كافيا لحسم الأمور لصالح طرف دون آخر، رغم ظن البعض بإمكانية ذلك استنادا إلى شرعية ثورية أو دستورية أو انتخابية.
فبعد مرور ما يقارب العام على قيام الثورة المصرية، تبلور بوضوح أن القوى الفاعلة على الساحة تتمثل أولا فى المجلس العسكرى ـ ممثلا للمؤسسة العسكرية المصرية، وقائما بأعمال رئيس الجمهورية، وممارسا لسلطاته، ومهيمنا على الجهاز التنفيذى المتمثل فى الوزارة التى أسند إليها بعض سلطاته الثانوية ـ وثانيا القوى السياسية الإسلامية، بحزبيها الرئيسيين «الحرية والعدالة» الإخوانى و«النور» السلفى، والتى اكتسحت حتى الآن الانتخابات البرلمانية، وثالثا القوى المسماة «المدنية» أو «الليبرالية»، بأحزابها المختلفة والتى رغم نسب فوزها المتدنية فى الانتخابات مازالت تلعب دورا كبيرا فى تشكيل توجهات الرأى العام، وأخيرا وبكل تأكيد ليس آخرا، شباب الثورة، وهى كتلة مرنة ومتفاعلة، يجب ألا نحاصرها أو نهاجمها على أرضيات التصنيف أو الاستهجان أو دعاوى عدم تعبيرها عن الشارع المصرى، لأننا بذلك نخطئ خطأ جسيما ونضاعف من تعقيدات الموقف الملتهب سياسيا.
وغنىٌّ عن الذكر أن الوصول إلى توافق بين هذه الأطراف الرئيسية يقتضى ضمنا تحقيق القدر الأدنى من المكاسب التى يفترض كل طرف أنها لازمة لاستمراره وحيوية لبقائه، ولذلك فإن وضع تلك المطالب والاستحقاقات فى النور، وكشف أوراقها على مائدة تفاوض موسعة يبدو شرطا مسبقا لنجاح هذا المسعى.
ولا شك أن المطالب الرئيسية للثوار تتمثل أولا فى استحقاقات الدماء الغالية التى سالت ثمنا للحرية، بمعنى حقوق الشهداء والمصابين، وثانيا فى إحداث تغيير جذرىّ فى النظام وليس إعادة إنتاجه بوجوه جديدة، إضافة إلى مشاركة الثوار الفاعلة فى صياغة مستقبل الوطن، الذى خاطروا بأرواحهم من أجله، مشاركة حقيقية وليست من قبيل الترضية المؤقتة، وقبل ذلك التوقف عن نغمة «إنكم لم تنجحوا فى الانتخابات والشعب لم يختركم»، فنحن جميعا نعلم علم اليقين أنه لولا ما قام به هذا الجيل الرائع لما كنا الآن نناقش مثل هذه القضايا.
أما القوى المدنية والليبرالية فمطلبها الأساسى هو الحفاظ على ما يسمى «مدنية الدولة»، بمعنى ضمان حقوق المواطنة.. وجل مخاوفهم التعدى على الحقوق والحريات الشخصية، والحكم الدينى بنموذج الملالى، ومحاسبة الأفراد من منطلق دينى.. ولن يتحقق الحد الأدنى من مطالبهم إلا بدور فاعل فى صياغة الدستور، وهذا يحتاج «دليل عمل» للآلية التى ستحقق ذلك فى ظل الأغلبية الساحقة للتيار الذى يخشون توجهاته.
وبالنسبة للقوى الإسلامية، فهى حققت مطالبها بالفعل من خلال الانتخابات ويواجهها الآن تحدى الحفاظ على التوازن المطلوب فى اقتسام الغنائم مع الأطراف الأخرى، درءاً لاتهامات الاستحواذ على السلطة، إلى جانب مطالبات توضيح الالتباس بشأن تطبيق الشريعة بين مفاهيم الإخوان والسلفيين على أرضية ما تنص عليه المادة الثانية للدستور، وعليه فإن مشكلة هذه القوى ليست الحصول على المطالب وإتمام الشرعنة «المجتمعية»، لما تحقق منها، حفاظا على التناغم والتوافق.
وأخيرا، فإن الطرف الرابع فى معادلة التوافق يتمثل فى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ليس بأعضائه فقط، وهذا أمر يجب عدم تناسيه، ولكن بصفته ممثلا للمؤسسة العسكرية المصرية العريقة والضاربة بجذورها فى أعماق التاريخ المصرى، وهو بذلك، فى أكثر المواقف حساسية، بصفته المسؤول الأول والأخير عن تطورات المرحلة الانتقالية.
ويبدو مطلبه المعلن هو: المرور بالبلاد بسلام خلال هذه الفترة الصعبة وتسليمها لحكم مدنى منتخب والرجوع إلى ثكناته، ولكن المطلب غير المعلن له هو الحفاظ على الموقع المتميز لهذه المؤسسة فى تركيبة علاقات السلطة فى الدولة المصرية، بالنص على ذلك فى الدستور.
والأهم من ذلك ضمان انسحابه المشرف من الساحة بطريقة تعكس التقدير والامتنان لقراره بحماية الثورة والوقوف فى صفها وضمان عدم مساءلة قياداته عن أى تجاوزات أو أخطاء قد يكون تم ارتكابها خلال الفترة الانتقالية، وهو ما يطلق عليه تعبير «الخروج الآمن»، سواء من خلال تشريع يصدره البرلمان القادم أو ربما باستفتاء شعبى يرسخ حماية قيادات المجلس من أى مساءلة مستقبلية دون التعرض لمخاطر تغيير التشريعات.
وبذلك تصبح الأسئلة المحورية هنا ـ بافتراض صدق نية المجلس العسكرى فى العودة للثكنات ـ هى:
هل تسمح الأطراف المعنية للمجلس العسكرى بالخروج الآمن دون مساءلة من خلال استفتاء شعبى يرسخ الصورة الإيجابية للمجلس مقابل انتخابات رئاسية مبكرة؟
وهل التيار الإسلامى مستعد للوصول إلى آلية توافقية لصياغة الدستور وإعلان كيفية تحقيق ذلك؟
وهل القوى الليبرالية على استعداد للوقوف صراحة فى صف الثوار وتبنى أولوياتهم دون استعلاء عليهم؟
وهل حقيقة تقبل هذه الأطراف جميعا الجلوس فورا معا للوصول إلى توافقات بشأن الحد الأدنى للمطالب وتقديم تنازلات متبادلة تعلن على الرأى العام لتكتسب الشرعية الشعبية؟
هذه، كما قال «شكسبير»، هى المعضلة!!

بعد عام من الثورة: مصر فى الطريق الصحيح


  بقلم   ضياء رشوان    ٢/ ١/ ٢٠١٢

كل عام وجميع المصريين بخير، فها هو عام جديد يبدأ وهم لأول مرة، منذ عشرات بل ربما مئات السنين، صار قرارهم فى أيديهم هم وليس لسلطة أو حاكم ينتزع إرادتهم وبعدها لقمة عيشهم ويحولهم من مواطنين إلى رعايا.
 مصر تبدأ عامها الجديد لأول مرة منذ ثلاثين عاماً، دون حسنى مبارك وأسرته ورجاله الذين حولوا هذا البلد خلال تلك الفترة إلى «عزبة» كبيرة لها صاحب واحد وعدد من «النظار» الذين يديرونها بالنيابة عنه ويفعلون فيها وبها ما يريدون وما يأمر به واليهم الأعظم. عام جديد يبدأ وثورة مصر العظيمة،
حتى لو لم تكن بعد قد استكملت مراحلها وأهدافها الكبرى، فهى وللمرة الأولى منذ أن أسس محمد على الدولة الحديثة قبل قرنين، تنجح فى وضع رئيس النظام السابق وكل نخبته العليا ومساعديه فى السجون فى مشهد لم تعرفه مصر من قبل وربما لم يتكرر فى كثير من ثورات العالم.
عام جديد يبدأ وبسطاء مصر، الذين اجتمع عليهم فساد واستبداد نظام مبارك ورجاله فدمروا كل مقومات آدميتهم، هم الذين يملأون اليوم شوارع مصر وميادينها حيوية وحركة، شاعرين وممارسين، للمرة الأولى، حريتهم الكاملة فى كل شىء بما يعطى أحياناً مظهراً للفوضى فى المشهد المصرى، ولكنها الفوضى الطبيعية التى تلى انتزاع الحرية بعد غياب طويل والتى ستنتظم بعد ذلك فى حقوق وممارسات قانونية.
بعد نحو عام من الثورة المصرية العظيمة يبدو المشهد المصرى بالفعل وقد تغيرت فيه ملامحه الرئيسية كلها وتبدو الثورة وقد أنجزت، فى عامها الأول، ما يمكن للثورات أن تنجزه فى ظل الظروف الخاصة بالأوضاع المصرية. وربما لا يكون مثل هذا الوصف الإجمالى للوضع المصرى اليوم مرضياً أو مناسباً لقطاعات من الشباب المصريين الذين يقودهم الحماس الزائد وتدفعهم الرغبة النبيلة العارمة فى أن تغير الثورة كل شىء فى البلاد خلال عامها الأول، بل ربما شهورها الأولى. ولكن الحقيقة،
 التى تظهر مفصلة وليست مجملة فيما يخص الأوضاع المصرية، تؤكد أن مصر بالفعل قد عرفت تغيرات كبرى لا يمكن لعثرات هنا أو انتكاسات هناك أن تلغى عمقها وحجم تأثيرها الكبير على المستقبل المصرى.
فعلى الصعيد السياسى المركزى مصر اليوم تتحاور وتختلف وأحيانا تتصارع على مسار صياغة نظامها السياسى الجديد بدستوره وبرلمانه ورئيسه، ما بين من كانوا يفضلون وضع الدستور أولاً ثم الانتخابات ومن رأوا العكس وانتصرت لهم الأغلبية الشعبية فى استفتاء مارس الماضى. والمعنى المهم والرئيسى هنا هو ليس كل تفاصيل هذا الخلاف أو الصراع حول المسارين، بل هو أن مصر،
 بشعبها وقواها السياسية، هى التى تصنع اليوم مستقبلها وتصوغ نظامها السياسى حرة من أى تسلط ومحتكمة فقط إلى الشعب أولاً فى صناديق الانتخاب والاستفتاء، وثانياً إلى جدال سياسى سلمى يكون أحياناً حاداً وأحياناً خارجاً عن التقاليد ولكنه فى كل الأحوال ملك لكل المصريين وقواهم السياسية والحزبية وليس لحاكم أو نظام مستبد يفرض عليهم ما يريد.
ومصر أيضاً لاتزال تتصارع وتختلف حول مبادئ دستورها القادم وملامح دولتها الجديدة ما بين رؤى تريدها مدنية حديثة على خلفية الثقافة المصرية الضاربة فى الإيمان، وأخرى تريدها ذات طابع دينى مباشر يستمد من الإسلام تفاصيلها وأحكامها وتشريعاتها. وعلى الرغم من أن هذا الخلاف لايزال قائماً وهو بطبيعته مستمر منذ منتصف القرن التاسع عشر،
ومن المتوقع أن تحتدم مراحله خلال الفترة المقبلة بعد انتهاء انتخابات البرلمان والبدء فى تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور، فإن معناه الأعمق يؤكد أن الثورة قد نجحت فى دفع مصر خطوات بعيدة للأمام، فالشعب المصرى وحده وقواه السياسية والحزبية المستندة إلى قواعد جماهيرية حقيقية هى وحدها التى ستقرر مصير هذا الخلاف حول طبيعة الدولة المصرية الجديدة، ولم يعد هناك من قوة أو من طرف يستطيع بمفرده أن يسلبهم هذا الحق الذى ما كان ليعود إليهم لولا أن ثورة يناير العظيمة قد نجحت بالفعل فى تغيير مصر جوهرياً.
أما المصرى، ذلك الذى أفاضت كتابات سياسية واجتماعية وتاريخية طوال عشرات السنين فى ذكر خصائص سلبيته وخوفه من السلطة المركزية التى تتحكم فى حياته ورزقه ونهره منذ آلاف السنين، فها هو يظهر كائناً آخر بعد الثورة لا علاقة له تقريباً بذلك الذى رسمت له، طوال سنوات طويلة، صورة نمطية بدا أنها لن تتغير أبداً.
المصرى اليوم صار متظاهراً محتجاً معتصماً عالى الصوت مطالباً بحقوق صغيرة أو كبيرة سياسية أو فئوية طال انتزاعها منه وغيابها عنه، واكتسب، خلال شهور قصيرة، خبرات العمل الاحتجاجى المنظم والتفاوض من أجل تحقيق المطالب، بما جعلنا أمام مصرى آخر غير هذا الذى استقرت صورته السلبية والمرتعشة من السلطة أمام عيوننا لسنوات طويلة.
 وبالرغم من سلبيات كثيرة أحاطت وتحيط بسلوك المصرى الجديد المحتج والمنتفض والمتظاهر والمعتصم نتيجة لجدة هذه الممارسات عليه وغياب التقاليد التاريخية بما يجعلنا أحياناً أمام مشاهد أقرب للفوضى،
 فإن الجوهر الحقيقى لما حدث للمصرى بعد ثورته العظيمة قبل عام هو أنه قد تحرر للأبد واكتسب قدرة، لن تزول، على الدفاع عن حقوقه وتقديم ما يجب أن يقدم من أجل الحصول عليها، وأن خضوعه القديم وخوفه التقليدى من سلطة جثمت على صدره وأنفاسه آلاف السنين، قد تخلخلا بل ربما يكونان قد انتهيا إلى الأبد.
وحتى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذى أدار البلاد طوال الشهور الماضية منذ خلع مبارك والذى بالرغم من كل الأخطاء والسلبيات التى شابت إدارته، فهو لم يعد بالبلاد أبداً إلى حيث كانت واستطاع، بالرغم من قلة خبرته وعدم استعداده لإدارتها سياسياً،
 أن يصل بنا إلى المرحلة الأخيرة: انتخابات مجلس الشعب وبناء أول مؤسسة برلمانية حرة فى تاريخ البلاد، وأن يضع خريطة زمنية واضحة ستنتقل فيها السلطة فى البلاد لمدنيين منتخبين قبل نهاية الشهور الستة الأولى من العام الجديد. نجح المجلس فى أشياء كثيرة،
 أهمها الحفاظ على وحدة مصر الداخلية ووضعها على طريق الانتقال السلمى من الثورة إلى الدولة، وفشل فى أشياء أخرى منها إدارة علاقته مع شباب الثورة وتجاوز بعض الضوابط القانونية فى حالات أخرى، إلا أن التعامل معه من جانب القوى السياسية والإعلام وعموم المصريين يعطى هو الآخر تأكيداً إضافياً على أن مصر قد تغيرت بالفعل تغيراً عميقاً.
 فلم يعد هناك من قيد أو من مانع ليس فقط أمام نقد المجلس علناً وتوجيه أقسى الاتهامات إليه بل تعدى الأمر ذلك إلى تجاوزات حقيقية فى الحديث معه وعنه بما لا يليق بمؤسسات الدولة الكبرى، وأحياناً بقواعد الأخلاق وضرورة امتلاك الأدلة والبراهين على ما يقال عنه وله، لنصل فى النهاية إلى أن كل المقدسات و«التابوهات» قد سقطت فى مصر بعد الثورة ولم تعد هناك من حصانة لأحد، أياً كان: شخصاً أو مؤسسة.
مصر قد تغيرت ولم ولن تعود أبداً إلى ما كانت عليه، وأى قول غير ذلك هو إما قصر فى النظر بحيث لا يرى المرء سوى تفاصيل صغيرة فى مشهد أصغر، أو هو بعد زائد فى النظر لمن يحلمون بمصر الأخرى المكتملة بناءً ونهضة وعدلاً بعد سنوات طويلة من ثورتها، وهو ما يحجب عن المرء كل هذه الأشياء الكبرى التى تغيرت فى عامها الأول.
diaarashwan@gmail.com

عام جديد وعهد للوطن


  بقلم   د. مصطفى النجار    ٢/ ١/ ٢٠١٢

مضى عام ٢٠١١ بكل أحداثه التى مرت علينا كسنين طويلة، أرهقنا تتابع الأحداث بحلوها ومرها، شعرنا بأننا هرمنا من وطأة الأيام ووقائعها، ولكن انتهى العام الأجمل فى حياتنا على الإطلاق، وقد أوصلنا إلى مرحلة جديدة نقف جميعاً على أبوابها.
نحن فى مفترق طرق متشعب المسالك والدروب، وحين يقف الأشخاص فى مفترق طرق يمكنهم تصحيح المسار إذا أخطأوا الاختيار، ولكن حين تقف الأوطان عند هذه النقطة فإنها لا تملك تصحيح المسار إذا أخطأت، لذلك فليس أمامنا إلا أن نحسن الاختيار لهذا الوطن.
قدرنا أننا صرنا من صناع الأحداث فى هذه اللحظة من تاريخ مصر، فكل مصرى الآن هو صانع للأحداث، وسيسجل التاريخ لكل من يعيش فى هذه المرحلة إما بالسلب وإما بالإيجاب.
لذا تعالوا نبدأ عامنا الجديد بعزيمة لا تضعف وبإرادة لا تنكسر وبعمل مستمر لاستكمال تحقيق أهداف الثورة وتحقيق مكتسباتها، تعالوا نرجع للمشهد نفسه الذى جمعنا فى ميدان التحرير قبل التنحى وقد توحدنا ونحن نطالب بالرحيل وإسقاط النظام، تعالوا نتوحد لنهتف «الشعب يريد البناء».
تعالوا مرة أخرى نتحلَّ بأخلاق الميدان، حيث التسامح وقبول الآخر والتعاون مع الجميع من أجل مصلحة الوطن، تعالوا نؤخر خلافاتنا الأيديولوجية والفكرية ونقدم اتفاقنا على ضرورة العمل المشترك والتوحد والتوافق من أجل استكمال تحقيق أهداف الثورة وبدء مسار البناء.
تعالوا ننسَ معاركنا التى مزقتنا منذ التنحى وحتى الانتخابات الحالية، نتجاوز ما فى الصدور ونحسن الظن بمن حولنا ونبحث عن المشترك ونؤخر مواطن الاختلاف وبواعث الشقاق.
تعالوا نطمئن مرة أخرى لبعض، فلا يكون هناك خوف بيننا، كل تجاه الآخر، المصريون لا يخافون من بعضهم بل يثقون فى بعضهم ولا يعرفون معنى الأقلية ولا الأغلبية، فليس هناك غالب ومغلوب بل هناك من حمّلهم الشعب بمسؤولية ولابد أن يتكاتفوا جميعاً من أجل إسعاد هذا الشعب ومساعدته على الخروج من مأزقه.
تعالوا نبحث عن التكامل، فكل شخص وتيار حباه الله بإمكانات وملكات لم يعطها للآخر، وواجبنا الآن التكامل وجبر الكسر وسد الثغرات عبر روح نبيلة للعمل الجماعى والإجماع الوطنى الذى يستطيع أن يقود الوطن لشمس النهضة وآفاق المستقبل.
تعالوا ننبذ أصوات الفرقة والمتطرفين فى كل الاتجاهات، ولنبن خطاباً وسطياً جامعاً يجمع ولا يفرق، ويوحد ولا يفتت، ويربط ولا يفكك، تعالوا نصنع هدفاً وحلماً ومشروعاً قومياً نشحذ كل طاقاتنا له ولا نفكر فى سواه، تعالوا ننبذ معاركنا المفتعلة مثل الهوية والدستور وغيرهما ونخض معركة حقيقية ذات قيمة، وهى بناء الإنسان المصرى وإسعاد هذا الشعب عبر رد آدميته وإنسانيته له بتوفير حياة كريمة لكل المصريين.
تعالوا نتنافس فى تقديم المشاريع والأفكار والمقترحات التى تصنع طفرات متتالية تقربنا من الدول التى سبقتنا، تعالوا نصمم على أن تكون مصر نموذجاً للنجاح تحتذى به كل دول العالم، وهذا ممكن وميسور إذا صدقت نوايانا وانطلقت خطواتنا فى الاتجاه الصحيح.
نعاهد الله ونحن نبدأ عاماً جديداً فى هذا الوطن أن نكمل ثورتنا ونحقق أهدافها، وأن نمضى فى مسار البناء تتسابق خطواتنا، وأن نكون أوفياء لأحلام هذا الشعب، وأن نكون عند حسن ظن ملايين الفقراء الكادحين الذين ينتظرون منا أن نغير بعملنا وبذلنا حياتهم للأفضل.
نعاهد الله أن تلهمنا دماء الشهداء روح الوحدة والتوافق، وأن نتذكر تضحياتهم لتجعلنا نركز فى الاتجاه الصحيح للعمل على تحقيق ما ماتوا من أجله حين هتفوا «عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية».
نعاهد الله أن نتحلى بأخلاق الثورة وأن نربأ بأنفسنا عن التخوين والمزايدة والجدل بلا عمل. نعاهد الله ألا تغيرنا المقاعد والمناصب وألا تنسينا ما ثرنا من أجله. نعاهد الله أن نستقيم على طريق البناء وأن نكون لهذا العهد من الأوفياء.. كل عام ومصر بخير.

مصر فى عيون الفرنسيين


  بقلم   د. محمود عمارة    ٢/ ١/ ٢٠١٢

رحلة عمل خاطفة إلى فرنسا، بعد مكالمة من إحدى شركات التصنيع الغذائى الشهيرة بمنطقة «نورماندى» لإنتاج وتصنيع وتسويق «كبد البط» Foie Gras وهى «قصة مصرية» سأعود إليها قريباً، كمشروع يمكن من خلاله رفع قيمة الصادرات المصرية بعدة مليارات، باعتبار أننا نملك كل مقومات نجاحها، والسوق الفرنسية وحدها تستهلك منها ٢١ ألف طن، أكرر ٢١ ألف طن، ينتج منها ٨ آلاف طن والباقى يستورد من المجر، وبولندا، وإسرائيل، رغم أن القصة فرعونية ١٠٠٪، ونستوردها فى مصر ليباع الكيلو بألفى جنيه فى «فوشون» بالزمالك ومدينة نصر!
وصلنا شارل ديجول، ومن تحت مبنى المطار كان القطار السريع TGV، ثم بالسيارة إلى قرية مغمورة لا يزيد عدد سكانها على ٦٠٠ نسمة من الفرنسيين الأصليين، لكن على أطرافها يسكن ٢٥٠٠ عامل وتقنى من المهاجرين (مغاربة، توانسة، أفارقة)، يعملون بمزارع ومصانع المواد الغذائية، والمعارض التابعة لها. فندق ضخم بمدخل القرية يعج بوفود أجنبية صينية، وهندية، وإسبانية، ومغربية، كل يبحث عن جذب مستثمرين من ذوى الخبرات، والتقنيات لنقل التكنولوجيا، وفتح أسواق، والمشاركة فى المعارض الجوالة المنتشرة فى كل الأقاليم والمدن والقرى الفرنسية (وهكذا يجذبون ٧٥ مليون سائح سنوياً)، وبمجرد سماع كلمة Egyptian، أى مصريين، اتجهت إلينا الأنظار، وانهمرت عشرات الأسئلة، والاستفسارات، وجاء الحوار كالتالى نصاً:
ماذا حدث؟ لقد انتبه العالم كله إلى «ثورتكم» التى علمتنا دروساً فى التحضر، وتوقع الجميع أن تعود «مصر» لتساهم فى تقدم البشرية، لأنكم ربما لا تقدرون قيمة بلدكم الذى أهدى الإنسانية أعظم حضارة فى التاريخ، ليصبح «أم الدنيا»، وكلنا نتخيل أن لديكم «مشروع مارشال» لنهضة مصر.. فلماذا تعثرت الثورة؟
قلت: الحقيقة أن العالم كله كان متعجلاً لعودة الدور المصرى الحضارى والثقافى والإنسانى، وإذ نشكر لكم ثقتكم فينا كمصريين، إلا أننا وللأسف كبعض الثورات المماثلة وقعنا فى قبضة «فلول» النظام السابق وتلاميذه، الذين تواطأوا مع التيار الدينى المتعطش للحكم، وبجهلهم الفاضح بإدارة شؤون البلاد «توهونا» فى الدهاليز، ومع انشغال الثوار بحماية ثورتهم وانقساماتهم، مع عدم وجود قيادات، وبجهلنا فى الممارسة السياسية، وقعنا فى «الفخ» فتعثرت مسيرة «الثورة»، لأن الثورة كما تعلمون لكى تنجح يجب أن تحكم، أو على الأقل يلبى مطالبها من أنابه الشعب، وفى الحالة المصرية لم يحدث لا هذا، ولا ذاك، بل بالعكس استطاع آخرون «خطف الثمار»، ولهذا حدث الصراع بين «العسكر» و«الثوار» ولن يُحسم هذا الصراع إلا بتنفيذ أهداف الثورة سلمياً ومدنياً، أو بالقوة، أو بالدخول فى مشاكل واضطرابات تسيل فيها الدماء، أو بعودة الوعى والفهم للعسكرى والحكومة ليتعاملوا مع ما حدث على أنه «ثورة» وليس مظاهرات إصلاحية،
وجاء السؤال الثانى من أحد الفرنسيين: نحن نعلم أن حكومتنا من جيسكار وميتران مروراً بشيراك، وحتى ساركوزى كانوا مشاركين فى حماية «مبارك» ونظامه الفاسد، كما فعلوا دائماً مع كل الرؤساء الأفارقة الفاسدين والمستبدين من «بوكاسا» وحتى «القذافى»، لكن نحن كشعوب معكم قلباً وقالباً لتنعموا بالحرية والرفاهية، فبلدكم ملىء بالخيرات من مواد خام وموارد طبيعية، ولا أحد يشكك أبداً فى العبقرية المصرية التى لم تتح لها الظروف لإثبات مواهبها وقوتها وتأثيرها، ولهذا نحن مستعدون للتعاون معكم، وهذا فخر لنا.
- أشكرك سيدى، وأنتم تعلمون أكثر منا العلاقات الطيبة التى استمرت بيننا لسنوات طويلة، ومصر ستظل دائماً صديقاً لكل من يشاركها آلامها وآمالها وطموحاتها، وقد سعدت كثيراً وسوف أنقل هذه السعادة إلى كل أصدقائنا ومعارفنا فى مصر، وأرجو ألا تترددوا فى الاستثمار مع «أم الدنيا»، ولا تنسوا أن أفضل أوقات وفرص الاستثمار هى التى تتم وقت إحجام الآخرين، لأنه بعد أن تهدأ الأمور تتغير الظروف تماماً، وتتضاعف تكلفة الاستثمار.
واستمر اللقاء حوالى ساعة ونصف الساعة، انتهى بالتأكيد على ثقتهم التامة فى «أحفاد الفراعنة»، الذين نجحوا فى الحفاظ على وطنهم متماسكاً رغم كل المؤامرات، والغياب الأمنى، وكل المؤامرات الداخلية والخارجية، والخطايا، والجهل بشؤون إدارة البلاد، فها هم أبناء مصر بالخارج تزداد تحويلاتهم إلى وطنهم الأم من ٨ مليارات فى ٢٠١٠ إلى ١٣.٥ مليار فى ٢٠١١، بزيادة صافية تفوق ٥.٥ مليار دولار، وهى أكثر مما خسرته السياحة من ٢٥ يناير حتى الآن، وها هى الصادرات المصرية تزيد بعد الثورة بـ٢٥ مليار جنيه، أى ٤ مليارات دولار، وهو ما يعادل التسعة مليارات دولار التى تم تهريبها بعد الثورة من اللصوص والفاسدين باعتراف الجنزورى، ولهذا أقول «متخافوش» لأن عقلاء الأمة من النخبة قادرون على حماية المحروسة والنهوض بها للمكانة التى تستحقها وتليق بها، وستنتصر الثورة فى النهاية رغم أنف الجميع، لأنها الطريق الوحيد والصحيح لإحداث النهضة، وتغيير حال المصريين، ولنجدة الأجيال القادمة، والبركة فى المخلصين لتراب هذا الوطن.
اللواء حمدى عبدالكريم
«الإنسان» يرحمه الله
عرفته عام ١٩٩٦ عندما جاء باريس للعلاج بمستشفى «جوستاف روسى» من «سرطان بالنخاع الشوكى»، وكانت هناك دكتورة مصرية تسرب لنا المعلومات التى قالت وقتها على لسان «القومسيون الطبى»، بأنه: لن يعيش أكثر من ستة أشهر، وها هو قد عاش ١٥ سنة إضافية، والفضل لله، ولإيمانه العميق بالقضاء والقدر، وبالموقف الرائع لزوجته الطبيبة العظيمة التى أدت دورها بامتياز، فلهم ولكل محبيه خالص العزاء.

رسائل أول السنة


  بقلم   نادين البدير    ٢/ ١/ ٢٠١٢

فى ديسمبر. مثل كل عام. كان سؤال أغلب المعارف: أين ستكون ليلة رأس السنة؟ ومع من؟
التخطيط لافتتاح العام الجديد يمتعهم، لكنى لا أعلق نفسى به كثيراً، لأنى أحب السعادة التى تهطل فجأة من السماء دون أن أجهد بالبحث عنها أو التخطيط لها فى ديسمبر. مثل كل عام. تبدأ النشرات بإحصاء أحداث العام ومجرياته، كأننا نسينا ما حدث ليعيدوا تذكيرنا به، ومثل كل عام تبدأ المواعظ المملة: افتحوا ملفاتكم وراجعوا أنفسكم. دققوا فى حسناتكم وذنوبكم، لكنى لست مخلصة عند تقييم ذاتى نهاية السنة، إذ أتناسى أمورا كثيرة فعلتها وكنت من الضالين، وأتناسى أشخاصاً أضلونى أو أضللتهم، لذا أتغاضى عن مسألة التقييم والحساب.. ألا تتحقق السعادة إلا بإحصاء الخسائر والانتكاسات؟ ولم فتح الملفات؟ لم لا أترك الحياة تمر على سجيتها وأن ما مضى قد مضى وانتهى، ثم ما قصة الخسائر؟ هل كنت أنا الضحية الوحيدة فيها؟ أو كنت صاحبة النوايا الحسنة على طول الخط، أو المغلوب على أمرها والتى تفنن القدر بالعبث معها؟
هكذا نهوى تقييم أنفسنا. مظلومون، فالجبار لا يرى جبروته والقاسى لا يدرك قسوته والظالم يشفق على نفسه. وهكذا نرتاح للاعتراف بفقدان السعادة واضطهاد القدر.. ونهوى إلقاء ضعفنا على شماعة الناس الذين تآمروا وتكالبوا علينا لنكون مثار شفقة. رغم أن الناس عابرون فى حياتنا. كلهم عابرون، فكيف نسمح للمارين بالتأثير على أقدارنا؟ ستكتشف فى النهاية أنك وحيد فى الحياة مهما كنت محاطاً بالناس، على العكس فكلما زاد عددهم تأكدت مسألة عبورهم. وستعرف مع الوقت كيف تتوحد مع الوحدة حتى لتشعر بغيرتها عليك من كل عابر. أناس كثيرون يروحون ويجيئون. هناك من طبعها بجماليات وهناك من أزعجنى قليلا.. لكنى لم أكن ملاكاً. الشىء الذى أخشى عليه من الحسد (رغم أنه يعكس جانباً متبلدا بداخلى) هو ذاكرتى القصيرة تجاه من أقرر نسيانهم، ومظهرى الهادئ الخداع، وقدرتى على التحكم بعواطفى، فالمكان والوقت لا يتسعان للضعفاء، هل أنا عملية أم شريرة؟ لماذا أكتب هذه الأشياء الآن؟
سأفتتح العام بالجمال بدل الجردة المقيتة للذات والأرباح والخسائر، وأنشر رسالة القارئ العزيز الأستاذ أسعد إبراهيم تعقيباً على مقالى (فى إيطاليا معبد لمئذنة وصليب)، يروى قصته ويقول إنها تحمل المبادئ التى نشأ عليها جيله: «منذ أربعين سنة بمثل هذه الأيام سافرت للخرطوم برحلتى الأولى خارج مصر، كل شىء كان مقفلا بسبب أعياد رأس السنة وعيد الفطر وعيد الميلاد التى جاءت كلها فى وقت واحد، فرغبت أن أصلى شكرا لله على سلامة الوصول مع خوفى من التجوال وحدى فذهبت للجامع القريب من الفندق ومعى كتاب الصلوات، خلعت نعلى ودخلت واتخذت ركنا قصيا بالجامع وصليت صلاة الغروب وكانوا وقتها يؤدون صلاة المغرب.
بعدها جاءنى أحد المصلين وسألنى: لم لم تصلى معنا جماعة ووقفت بعيدا وحدك؟ فأفهمته أنى مسيحى وأردت أن أشكر الله ولا أعرف كنيسة قريبة فدخلت الجامع لأصلى.. فكان أن احتضننى وحيّانى ثم دعا بقية المصلين لتحيتى.. وظننت لوقت قريب أنى الوحيد الذى فعلت ذلك، وها أنا أراك وقد فعلت الشىء ذاته».
بالأمس فتحت بريدى، وكذا صفحة «فيس بوك»، فإذا برسائل سعيدة تهطل كالعيد وتقول (ظننا أننا الوحيدون الذين نصلى بمختلف المعابد)، كتب الأستاذ عمرو أبوالعلا: «صدقينى عندما أشعر بأن هذا المكان يُعبد فيه الله يزداد إيمانى بالله عشرات المرات بغض النظر عن المكان الذى أكون فيه»، هناك رسائل محبة أخرى صلى أصحابها وتعبدوا بأغرب الأماكن. هؤلاء هم أبناء مجتمعنا بقيمه البريئة الأولى.
فشكراً لكل ذاك الحب من رسائل تجاوز كتابها عقد الفتوى والكره. يكلمون الله فى أى وقت وأى مكان ودون وسيط. هذا أجمل احتفال برأس السنة. أجمل من جرد الذات وأجمل من السهر ومن كل الأحلام العادية.
وأبدأ العام الجديد بمقولة من رسالة الأستاذ طلعت عبدالملك: «الدين كالطاقة الذرية، إما تنير العالم أو تحرقه».

لا العلمانية المتطرفة.. ولا الدينية المتطرفة


  بقلم   د. يحيى الجمل    ٢/ ١/ ٢٠١٢

أعرف منصف المرزوقى رئيس الجمهورية التونسية الجديد منذ وقت بعيد عندما كانت تجمعنا جلسات المعهد العربى لحقوق الإنسان ولعلى- وإن كنت غير متأكد- ترافعت عنه فى قضية سياسية كانت مرفوعة ضده فى المحاكم التونسية. واقعة أنى حضرت محاكمة من هذا النوع صحيحة ولكن مع من من السياسيين التونسيين لست أذكر الآن على وجه التحديد. كانت أمى- رحمها الله- تقول «ياما دقت على الراس طبول» أى ما أكثر ما حضرت من محاكمات مع مناضلين سياسيين فى أكثر من بلد عربى، وبالذات فى تونس ومصر.
وقد سارت التجربة التونسية فى المسار الطبيعى الذى بدأ بجمعية تأسيسية لوضع مشروع الدستور، ولذلك انتهت هذه التجربة إلى هذه النهاية الموفقة التى انتهت إليها.
هناك دستور وهناك برلمان وهناك رئيس جمهورية وبدأت الحياة السياسية تتجه الاتجاه الطبيعى مع بعض العقبات التى لابد أن تصادف التجارب الثورية الجديدة.
وكان طبيعياً أن أتابع هذه التجربة العربية الرائدة بالاهتمام الذى تستحقه وبحكم العلاقات القديمة التى ربطت بينى وبين كثير من الزعامات والقيادات التونسية.
ومن هنا جاء حرصى على متابعة البيانات والقرارات والتصريحات التى تصدر عن مسؤولين تونسيين وفى مقدمتها بطبيعة الحال تصريحات منصف المرزوقى رئيس الجمهورية التونسية المؤقت.
قرأت له حديثاً مطولاً فى جريدة «الشرق الأوسط» التى تصدر من لندن وتوزع فى أنحاء الوطن العربى وشاهدت له أكثر من حوار على عدد من القنوات التليفزيونية الفضائية.
ومنصف المرزوقى ينتمى إلى اليسار السياسى غير المتطرف ويؤمن إيماناً عميقاً بحقوق الإنسان وبالحريات العامة وناضل طويلاً من أجل ذلك.
والسمة العامة التى لاحظتها فى تصريحاته هى سمة الاعتدال والبعد عن التطرف والمغالاة. ومن الطبيعى أن مسؤولية المنصف تفرض عليه ما لم يكن يشعر به وهو سياسى طليق من أعباء المناصب، خاصة فى الظروف التوافقية التى تعيشها تونس والتى تؤمن بها كل التيارات السياسية الرئيسية وفى مقدمتها حزب النهضة ذو التوجه الإسلامى الواضح والذى يتزعمه راشد الغنوشى. وقد جمعت المنافى والسجون بين راشد الغنوشى ومنصف المرزوقى مرات عديدة، ومن شأن زمالة الكفاح أن تقرب الفرقاء من بعضهم. وهذا هو الذى كان.
جاءت الانتخابات التأسيسية بأغلبية معقولة- وإن لم تكن أغلبية مطلقة، إذ حصل الحزب على أكثر من أربعين فى المائة من المقاعد بقليل فى أول انتخابات حرة ونزيهة تجرى فى أعقاب الثورة التونسية.
وحزب النهضة التونسى إسلامى التوجه، وإن كان أكثر استنارة من كثير من التجمعات الإسلامية فى عدد من البلاد العربية، وإن كان لم يصل إلى المستوى الذى وصل إليه حزب العدالة والتنمية التركى الذى يقترب كثيراً من التوجه العلمانى والذى يعتبر أنه لا تناقض بين العلمانية والإسلام، ذلك أن الإسلام دين يدعو إلى العلم والعقل والتفكير، والعلمانية فى أصل تعريفها لا تنكر الأديان ولا ترفضها. وتصريحات الغنوشى فى هذا العدد واضحة حيث قال صراحة «لا للعلمانية المتطرفة ولا للدينية المتطرفة».
والتطرف مرفوض فى كل الأحوال. التطرف قرين التعصب. والتعصب قرين ضيق الأفق. وضيق الأفق يؤدى إلى عدم الاعتراف بالآخر والنتيجة الطبيعية لعدم الاعتراف بالآخر هى التنابذ وما ينجم عن التنابذ من تشرذم وما يؤدى إليه التشرذم من انقسام المجتمع إلى فئات متناحرة غير متوافقة. ومجتمع متناحر متشرذم لا يستطيع أن يبنى دولة على أسس سليمة.
من هنا توافقت أغلبية الأطراف السياسية الرئيسية فى تونس على نبذ التطرف وعلى مزيد من التوافق بين هذه الأطراف من أجل إنقاذ تونس والوصول بها إلى بر السلامة.
وتولى رئاسة الحكومة الانتقالية أحد قيادات حزب النهضة الإسلامى وهو حمادى الجبالى. وفى مشهد حضارى نشرته صحافة العالم استقبل قائد السبسى رئيس الحكومة التى تولت بعد هروب زين العابدين بن على.. استقبله رئيس الحكومة الجديد حمادى الجبالى فى مقر رئاسة الوزراء.
واشترك فى الوزارة الجديدة أربعة وزراء من حزب «المؤتمر من أجل الجمهورية» وخمسة وزراء من حزب «التكتل من أجل العمل والحريات» بالإضافة إلى ثمانية وزراء من المستقلين. وهكذا لم يحاول حزب النهضة- وكان يستطيع- أن يحوز النصيب الأكبر من الوزارات المختلفة ولكن من أجل تأكيد النزعة التوافقية التى تسود تونس الآن من أجل الخروج بها من تحديات ما بعد الثورة إلى مرحلة الاستقرار.
وفى أول رسالة وجهها حمادى الجبالى إلى الشعب بعد أن فازت حكومته بثقة المجلس التأسيسى بغالبية ١٥٦ صوتاً مقابل ٣٨ عارضوا تشكيل الحكومة الجديدة، أكد رئيس الوزراء أن التوافقية هى الأصل وأنه لا مبالغة ولا تطرف.
رغم هذه الأغلبية الكبيرة والثقة الواضحة فإن حزب النهضة آثر عدم الاستئثار بكل شىء، وإقصاء الآخرين عن كل شىء. كما كان متبعاً فى ظل الأنظمة الاستبدادية التى أسقطتها وستسقطها الشعوب.
البداية السليمة فى تونس انتهت إلى اقتلاع النظام السابق من جذوره وإحلال نظام جديد مختلف تماماً محله. وعندنا أسقطنا رأس النظام- وهذا شىء رائع- وكسرنا حاجز الخوف لدى الشعب وهذا شىء أكثر روعة، ولكننا لم نستطع أن نجتث جذور النظام السابق وبقيت هياكله الأساسية معششة فى كل مؤسسات الدولة وتحول دون الثورة وأن تبلغ مداها الطبيعى الذى وصلته ثورة تونس.
والأمل كبير أن يدرك الحزب الذى فاز بأغلبية مقاعد مجلس الشعب- حزب الحرية والعدالة- أن هذا الفوز يحمله المسؤولية الكبرى فى مواجهة هذا البلد وفى مواجهة مستقبله الذى تحف به المخاطر من كل جانب. من الداخل ومن الخارج.
لابد أن ندرك جميعاً أن مصر توشك أن تكون على حافة «جرف هار» وأنه لا سبيل إلى إنقاذها من وهدتها ولا سبيل إلى اجتثاث جذور الفساد والاستبداد الذى عشش لسنين طويلة إلا بأن نضع أيدينا جميعاً فى أيدى بعضنا البعض من أجل إنقاذ مصر. فى الوقت الذى تستعد فيه تونس للانطلاق فإن مصر توشك أن تغرق نتيجة أخطاء متعددة متراكمة من كل الأطراف. مصر تستحق منا جميعاً أكثر من مجرد الكلام. مصر تريد عملاً وبناء وتعميراً. مصر تحتاج إلى توافق حقيقى ولا تحتاج إلى مداهنة أو كلام معسول.
اللهم أنقذ مصر من كبوتها، وأتمم على خير ثورتها وخطواتها.
والله المستعان.

سياسة الحوم حول الحمي ،،،

لا أظن أن ما ذهب إليه تحليل السفير الأسيوي كان موفقا فيه. لأنه لا يوجد أي حزب أو فصيل سياسي، يأخذ الأغلبية في أي مجلس تشريعي، ثم يجلس متفرجا علي الحكومة التي يتم تشكيلها ويختم عليها فقط بخاتم الموافقة عليها. بل ويرضي بعدد محدود من الوزارات الخدمية دون أي اعتبار للناخبين الذين وثقوا فيهم وأعطوهم أصواتهم لتنفيذ برامجهم المعنونة بشعارهم (نحمل الخير لمصر). وهل يعتبر رضا وقناعة حزب الإخوان بعدد من الوزارات الخدمية في الوزارة القادمة سيضمن لهم تنفيذ برنامج حزبهم للنهضة وحمل الخير لمصر. وهل من المنطقي أن ينظر أحد السياسيين إلي الإنتخابات القادمة وهو لم يبدأ فعليا دوره ولا تنفيذ برنامجه الذي حاز به علي ثقة الناخبين وأصبح بسببه تحت قبة البرلمان الحالي؟ أظن أن من يتطلع للإنتخابات القادمة يجب عليه أن يشارك بقوة في تنفيذ طموحات الناخبين وتحقيق مطالب الثورة من الآن، فلا يوجد وقت للمماطلة والبلد علي شفا السقوط، لأن التخلي عن المسئولية بعد أخذ الثقة سيجعل الناخب يسحب الثقة منهم علي الدوام، ولن يجدوا مجرد رٍجل كرسي في البرلمان التالي.

وزارات الإخوان


  بقلم   نيوتن    ٢/ ١/ ٢٠١٢

لابد أن ينال الإخوان فرصتهم كاملة بلا نقصان. لا ينبغى أبداً أن يشاركهم أحد فى الحكم حين تكون لديهم الأغلبية. فليتحملوا مسؤوليتهم التاريخية وليخضعوا لاختبار الأداء العام الذى وعدوا بعبوره منذ ١٩٢٨.
أقرأ تصريحات وحوارات تقول إن هناك عروضا بالائتلاف أو التحالف مع الإخوان بعد الانتخابات، سيكون هذا افتراء على رغبة الناخب. أرادهم أغلبية فليقبلوا بإرادته دون التفاف عليها. أى صيغ سياسية يقبل بها أى حزب لكى يحصل على مقعد أو أكثر من الحكومة ستكون إسهاماً منه فى التدليس على الناخب.
يقول الإخوان (مشاركة لا مغالبة). جميل هذا الكلام. لكنهم غالبوا الجميع ولم يشاركوهم. ذهبوا إلى الصندوق بقصد ابتلاعه واحتكار كل أصواته. الناخب الواعى منحهم الفرصة. اللجوء إلى أحزاب وكتل من غير الإخوان يعنى البحث عن (محلل) سياسى. سعوا إلى المغالبة فى الانتخابات. سعوا إلى المغالبة فى اللجنة التأسيسية للدستور.. فلماذا يريدون (حائط صد) من بقيه الأحزاب فى الحكومة؟
كنت أحضر عشاء دعانى إليه قبل أيام صديق عزيز فى الجلسة، أنصت إلى تحليلات سفير آسيوى عن رؤيته لمجريات الأمور فى مصر. توقفت مليا عند قوله إنه قابل مسؤولين فى جماعه الإخوان.. وقالوا له إنهم لا يريدون سوى بضع وزارات خدمية، فى الصدارة. يريد الإخوان: وزارات الصحة والتعليم والتموين والتعليم العالى.
تناولت قهوتى بعد العشاء مع مضيفنا والسفير الآسيوى. قال السفير إن الإخوان يعتقدون أن تلك الوزارات مهمة. رددت: هى كذلك فعلا. لكن تلك الاختيارات تعنى أن الجماعة التى لم تندمج فى حزب الحرية والعدالة لا تريد أن تندمج أيضاً فى الحكومة. ترغب فى أن تعمل داخل الحكومة، كما كانت تدير الجماعة سوف تحول مصر إلى مستوصف كبير عن طريق وزارة الصحة، وإلى (شادر) توزيع لحوم كبير عن طريق وزارة التموين، وإلى مركز دروس خصوصية كبير عن طريق وزارة التعليم..تماماً كما تفعل الآن عبر نشاطها الاجتماعى بين الناس.
كان المصرى بالنسبة للجماعة مجرد (محتاج) للإعانة تريد أن تطعمه وتساعده من أجل الحصول على صوته الانتخابى. حين تصبح الجماعة فى الحكومة يجب أن تتعامل مع المصرى باعتباره مواطنا من الواجب أن تتحقق له كل المكاسب التى تقدمها لها الحكومة.
 حق وليس معونة. يعتقد الإخوان أن هذه الصيغة سوف تمنحهم فرصة أن يتفرجوا على بقية الوزراء يغرقون فى بحر المشكلات، بينما هم يجلسون على الشاطئ بملابس السباحة دون أن يبتلوا. وبالتالى يربحون فترة زمنية أطول ولا يحملهم المواطن أى تبعات تدفعهم لأن يخسروا الانتخابات التالية.
أى حكومة جديدة بعد حكومة الجنزورى، جاءت بعد يوليو المقبل أو قبل ذلك بقليل، سوف تكون حكومة إخوانية ولو كان فيها وزير إخوانى واحد. شرعية الحكومة ستدعمها أغلبية الإخوان فى مجلس الشعب. حكومتهم وإن فروا من مسؤولياتها الجسيمة.. وإن اختفوا خلف ستائر بعيدة. المسؤوليات لا يتم تحملها بالقطعة أو بالتقسيط. إن كنت تقدر تبوأها.. إن لم تكن إذن عليك التنحى جانباً. اكتف بدور المتفرج.. هذا أشرف لك من التدليس السياسى.
قلت للسفير الآسيوى: من أين ستتمول ميزانيات الصحة والتعليم والتموين التى يريدها الإخوان؟ أجاب: من الموارد العامة. قلت له: إذن ماذا سيفعل الإخوان إن طلبوا تمويلاً إضافيا لتلك الوزارات ولم يحصلوا عليه؟ هل سوف يهاجمون وزراء المجموعة الاقتصادية؟ هل سوف يوفرون موارد من منابع أخرى غير متاحة يوجهونها ذاتياً إلى تلك الوزارات الأربع؟ إذا فعلوا سوف تكون تلك الوزارات دولة مستقلة داخل دولة أكبر. إذا لم يفعلوا كابدوا بدورهم ضعف التمويلات المتاحة لتلك القطاعات الحيوية.
أخذت رشفتى الأخيرة من فنجان البن الغامق، وقلت للسفير: يا إكسلانس لقد جاءت الفرصة للجماعة لكى تثبت للرأى العام قدرتها على إدارة البلاد.. كيف يهدرونها بالتباعد أو التلاعب. من فاز يحكم. أم ترى أن «الإخوان» قد استمرأت دور المعارض وتخشى أن تتخلى عنه؟!

مصر تنتظر رئيس الجمهورية


  بقلم   محمد أمين    ٢/ ١/ ٢٠١٢
عاد يناير، وجاء عام حاسم.. وتجدد الشوق والأمل والخوف.. تبادلنا التهانى والورود.. ودب النشاط فى جسدى.. صحوت فى الفجر وصليت.. ثم قعدت أفكر: يا ترى ماذا يحمل ٢٠١٢ من مفاجآت؟.. تساءلت: من هو رئيس مصر المنتظر؟.. أحدث صفحات «فيس بوك»: «عبدالرحمن يوسف رئيساً».. وبالأمس طالب البعض بترشيح «الكفراوى» رئيساً للجمهورية.. والفارق كبير بين الأجيال!
لا «الكفراوى» فكر فى الحكاية، ولا خطر على باله.. ولا أظن أن عبدالرحمن يوسف فكر فيها ولو مرشحاً.. لكن الحكاية تكشف عن مدرستين الآن: الأولى مع شاب مصرى مثقف، ليس شرطاً أن يكون عبدالرحمن.. لكنها تحلم بدولة فتية عفية، تدب فيها الحيوية.. والثانية تكشف عن رغبة فى مرشح وطنى شريف.. لم يكن ضمن عصابة اللصوص والحرامية يوماً ما! المدرسة الأخيرة هى التى ستحسم نتائج انتخابات الرئاسة.. وهى لا تكتفى بالوطنية فقط.. إنما تسعى إلى فكرة الخبرة.. مصر فى هذه المرحلة عاوزة رئيس خبرة.. وهذه المدرسة التى ترشح الكفراوى مرة، ومنصور حسن مرة هى نفسها مدرسة عريضة، لكنها منقسمة على نفسها.. شريحة كبرى تطالب بعمر سليمان أو أحمد شفيق.. انتبه، حزب الكنبة هو الذى يرجح الكفة، ويحسم موقعة الصناديق!
لا أدرى لماذا استقبلت العام الجديد مرة بالاطمئنان ومرات بالخوف؟.. إنه شهر يناير، وإنه عام المفاجآت.. لابد أن يحسم فيه موقع الرئيس.. فمن هو الرئيس المنتظر؟.. هل هو شاب فى الأربعينيات؟.. هل هو خليفة للمخلوع فى السبعينيات، أو على عتبة الثمانين؟.. هل هو رئيس يعبر عن ثورة؟.. أم أن الثورة ستبقى فى الميدان فقط؟.. هل تبقى نتائجها خارج حسابات الثوار، فى البرلمان والرئاسة؟!
الشباب يريد للثورة أن تنجح.. واحد يسألنى على طريقة كابتن لطيف (!): هيه الثورة لم تنجح؟.. الثورة أسقطت النظام، وخلعت الرئيس، وأجرت انتخابات عالمية.. فكيف لم تنجح؟.. أقول: الثورة تنجح بنتائج الانتخابات.. وتنجح أكثر بطبيعة الحكم، وشكل الحكم.. بمن هو الرئيس الجديد؟.. ما هى ملامح مصر الجديدة؟.. هل كنا فى ثورة، أم فورة، أم فوضى؟!
والآن أتذكر أحد مرشحى الرئاسة.. الفريق أحمد شفيق.. وأتذكر خطابه السياسى رئيساً للوزراء، وأتذكر خطابه الآن مرشحاً للرئاسة.. كان يرى أن الثورة فورة.. ولا يرى غضاضة فى اعتصام الثوار بالميدان.. وهو صاحب نظرية البنبون.. وهو الآن مرشح رئاسى سبعينى.. يريد أن يرأس مصر.. يرى أحقيته بالرئاسة من غيره.. مرشح له خلفية عسكرية.. وكان قائداً للقوات الجوية!
ربما كانت مؤهلات رئيس جمهورية.. لكن قبل الثورة.. هو رئيس وزراء وقائد عسكرى، لكنه لم يؤمن بالثورة إلا مؤخراً.. ولا يرى أن مبارك رئيس مخلوع.. ويقول إنه رئيس سابق.. خطاب الفريق شفيق يتغير من أجل الرئاسة.. مبارك هو صاحب الفضل.. أما جمال مبارك فقد كان «نكبة» على والده، وعلى أسرته، وعلى البلد كله.. هذا هو التغيير الذى اضطر إليه الفريق أحمد شفيق!
لا ينسى الفريق شفيق أن يغازل الإخوان.. ولا ينسى أن يؤكد دور الجيش.. ولا ينسى أن يكون اشتباكه مع «البرادعى» لدواع وطنية.. ولا ينسى أن يبدأ العام الجديد بإعلان ترشحه رئيساً.. ولا ينسى أن مصر الجديدة بدأت من يناير الماضى.. فهل يناير الجديد صورة من يناير الثورة؟.. أم انقلاب عليه؟.. من هو رئيس جمهورية مصر الثورة؟!

البطش الغبى


  بقلم   د.حسن نافعة    ٢/ ١/ ٢٠١٢

لا أحد يعرف بالضبط من هو هذا العبقرى الذى اتخذ قرارا بالإغارة على مقار عدد من الجمعيات العاملة فى مجال حقوق الإنسان فى مصر والاستيلاء على ما فى حوزتها من أوراق وأموال وأجهزة كمبيوتر وغيرها. فالبعض يؤكد أنه إجراء قضائى أمر به القاضى المنتدب للتحقيق فى قضية التمويل الأجنبى غير المصرح به للجمعيات الأهلية،
 والبعض الآخر يرى أنه تم بأوامر مباشرة من المجلس العسكرى، لأن قاضى التحقيق لا يجرؤ على اتخاذ قرار فى أمر على هذا القدر من الأهمية، بسبب أبعاده السياسية على الصعيدين المحلى والدولى، إلا إذا كان قد حصل مسبقا على ضوء أخضر من أعلى مراكز صنع القرار.
 ولأن هذا النوع من الغارات لا يتم عادة، ويجوز أصلا، إلا فى مواجهة عصابات إرهابية أو تجار سلاح ومخدرات أو غيرها من العصابات الإجرامية، فمن المؤكد أنه ينطوى على تصرف غير مقبول، وسيقابل بأكبر قدر من الاستهجان والإدانة من الجميع، وعلى جميع المستويات، أياً كانت الجهة التى أمرت أو صرحت به.
ولا أحد يعرف بالضبط حقيقة الأهداف المتوخاة من هذه الغارة: هل للحصول على معلومات لا يستطيع قاضى التحقيق أن يحصل عليها بطريق آخر، أكثر نبلا واتساقا مع دولة القانون وحقوق الإنسان الفردية والجماعية؟ أم لإشاعة الخوف والرعب عند جماعات تقوم بأنشطة غير مرغوب فيها من وجهة نظر السلطة القائمة،
 لردعها عن القيام بمثل هذه الأنشطة؟ وهل رسالة التخويف هذه موجهة للداخل، أم للخارج، أم لكل من يعنيه الأمر فى الداخل والخارج؟. ولأنه يتعذر تحقيق أى من هذه الأهداف، مهما كان نبلها أو مشروعيتها، بوسائل من هذا النوع، فليس من المستبعد إطلاقا أن يؤدى الاستخدام المفرط لوسائل البطش والإرهاب على هذا النحو إلى نتائج معاكسة تماما للأهداف المرجو تحقيقها.
لقد شارك فى هذه الغارة الهمجية، كما تردد فى وسائل الإعلام، قوات صاعقة أو شرطة عسكرية، ورجال تابعون لجهاز الأمن الوطنى «أمن الدولة سابقا» ووكلاء للنائب العام، مما أثار ردود أفعال دولية حادة، وصلت إلى حد قيام أطراف رسمية أمريكية بالتهديد، كالعادة، بقطع المعونة العسكرية التى تبلغ قيمتها ١.٣ مليار دولا سنويا،
وصدرت عن بعض الدول الأوروبية احتجاجات غاضبة قوية بدا معها الحكم فى ظل المجلس العسكرى كأنه أسوأ مما كان عليه فى ظل مبارك. وقد أدت هذه الضغوط الخارجية إلى تراجع فورى من جانب السلطات المصرية التى وعدت بإعادة كل الأموال والأوراق والأجهزة التى تمت مصادرتها. وبهذا تكون السلطات المصرية قد خسرت قضيتها بالكامل وهزمت مرتين،
 مرة حين أقدمت على قرار أحمق وغير مدروس، ودون تشاور مسبق حتى مع المجلس الاستشارى الذى يفترض أنه أنشئ لتجنب مثل هذه العشوائية فى اتخاذ القرارات، ومرة ثانية بتراجعها الذليل والمهين أمام الضغوط الخارجية.
المنظمات الحقوقية هى جزء لا يتجزأ من مجتمع مدنى تعد حيويته أحد أهم مقاييس كفاءة النظم السياسية. ولا جدال فى حق كل دولة فى اتخاذ ما تراه من إجراءات لتنظيم عمل مؤسسات المجتمع المدنى فى إطار من الالتزام بالقانون وبالنظام العام.
 غير أنه يتعين على هذه الإجراءات أن تحافظ، من ناحية، على حيوية المجتمع المدنى ضمانا لقيامه بالوظائف العديدة والمهمة الملقاة على عاتقه والتى لا تستطيع الدولة أن تقوم بها، وللحيلولة، من ناحية أخرى، دون قابلية مؤسساته للاختراق الأجنبى، سواء من خلال التمويل أو من خلال تجنيد العناصر التى تقبل التعامل وفق أجندات خارجية.
 غير أننى أخشى أن تكون الحكومة المصرية قد خسرت الآن معركتها على الصعيدين، فأى حديث الآن عن التمويل الأجنبى أو عن الأجندات الخارجية سيكون مشكوكا فى مصداقيته بعد غارة تجمع بين البطش والغباء فى آن، خصوصا أنها تبدو انتقائية وموجهة ضد جماعات بعينها تبدو الأكثر انتقادا لتجاوزات المجلس العسكرى فى الآونة الأخيرة، وتجاوزت عن آخرين قيل أيضا إنهم يتلقون أموالاً ويعملون وفق أجندات أجنبية.

كل سنة.. وأنتم مصريون


 
بقلم   چيلان جبر    ٢/ ١/ ٢٠١٢
تعددت الأخطاء بين كل الأطراف وتنوعت.. واتسعت الفجوة بين الجيش والشعب، مما فتح المجال لبعض الشخصيات والأحزاب وصعود الانتهازيين السياسيين، حالة من الانكسار والانتقام لضياع الأمل عند أكبر فئة فى مصر، وهم الشباب وما تبقى يجد نفسه أمام الضباب لا وضوح لرؤية مستقبلية لأكبر دولة عربية، فى بداية كل عام نجد سؤالاً لا نملك له إجابة مؤكدة وهو: ماذا يحمل لنا العام الجديد؟! أتذكر فى نفسى هذا التوقيت من العام الماضى سنة ٢٠١٠ كتبت مقالاً بعنوان «البقية تأتى» وكان إنذاراً من بعد حالة التدهور فى صورة مصر أمام العالم وحرق الكنيسة وزيف الانتخابات وحسرة وغضب ملآ النفوس واتسعت المساحة بين الشعب والحكومة..
وبعد أيام قامت الثورة التى أشعلها الشباب ودعمها الشعب وحماها الجيش، وأصاب الجميع فيروس الوطنية والوحدة الشعبية.. نعم هكذا كانت الصورة وبعد شهور وجدنا عدداً من الأحداث يترك بداخلنا الكثير من الآثار السلبية ويسحب من رصيد الصبر لدينا ويجفف من نهر الحماس لهذه الثورة وأهدافها.. فجأة شعرت بأننى لم أعد فخورة بنفسى ولا كبيرة بوطنى ولا بكل مسؤول أو حزب أو سياسى فى بلدى؟ لا من جيل الشباب بعد أن قسم لعدة ائتلافات، ولا من جيل الحكماء الذى لا يملك سوى التصريحات والانتقاد، ولا من شعب فقد تقويم السلوك ولا إصلاح للأحوال. فقط أمامنا مظاهرات واعتصامات وحرائق ودماء تنزف على الطريق وهتك أعراض والتعرض للفتيات.
وفى النهاية، يأتى إلينا من ينذرنا أن يوم ٢٥ يناير فى هذا العام الجديد سيكون يوماً تعيساً وخطراً وتهديداً لكل المصريين!
فهل عليكم الإنذار والتهديد والوعيد.. وعلينا نحن الخوف والرعب والجلوس على الكنبة أو تحت السرير؟! ما هذا الهراء والسخرية فهناك مازالت فى مصر أجهزة أمنية ومخابرات وأمن قومى وأمن وطنى، إن كان هناك من يتآمر علينا من أيادٍ خارجية وأصابع داخلية، فبعد عام كامل عليكم أن تعلنوا عنها أو تقطعوها أو حتى توقفوها، أما تصريحات فقط فأقول لكم آسفة لكل مسؤول عن هذا الوطن، فالصمت أصبح عذراً أقبح من ذنب، وإن كان هناك عقاب، فسيكون ما سيكتب فى التاريخ عنكم سواء حزب أو جيش وأفراد من الشعب، ففى النهاية تركت مصر ضحية لشوية بلطجية..
 ثورة شريفة تدمر اليوم ذاتها بأطفال الشوارع والطموحات الذاتية.. اعلموا أنه لا ضمان لمرحلة انتقالية وأنتم لا تحسمون الأمور وجعلتم المرحلة ضبابية ويبقى لكم الدستور إن لم يحظَ بالرضى والاحترام من الجميع وليس الأغلبية البرلمانية فقط فسننتقل إلى المجهول.. نتوقف عن الكلام واكشفوا المستور، إن كان أيادى إسرائيل أو أمريكا أو بعض الدول الخليجية أو كانت إيران تلعب باحتراف وتحقق طموحها وثأرها القديم، فمصر التى أصبحت مستباحة من العديد من الأطراف لن تنهض سوى بتوحد شعبها وهذه مهمتكم أيها المسؤولون.. إدارة الأزمة باستعادة الثقة والالتفاف حول أعمدة الدولة من جديد.. فهل هناك من يسمع أو يملك رؤية أو يبحث عن مستقبل وطنى، وليس مصيره فى طرة أو فى المنزل بين أسرته وأحفاده.
عجبى عليك يا وطنى حتى بعد أفضل ثورة شهد بها العالم كله مازلت تتأرجح بين الصواب والخطأ! ألا تستحق مصر أن تكون هذا العام من أفضل الأمم، فهى إن نهضت استفاد كل العرب وضمنت احترام الجميع.. بدلاً من الاستعداء والتهديد، اكشفوا الحقائق إن وجدت، لنستعيد روح النهضة من جديد فنحن بداخلنا شعب عظيم وتبقى لنا الإرادة إن وجدت لدى الشعب والمسؤولين فستستعيد أم الدنيا لقبها من جديد.. وكل سنة وأنتم مصريون بمصيركم مدركون وواعون.

الخرافة طريق سهل العلم طريق صحيح


  بقلم   خالد منتصر    ٢/ ١/ ٢٠١٢
لماذا تنتصر الخرافة فى مجتمعنا على العلم؟.. هذا موضوع كتاب مهم أصدرته «دار المحروسة للنشر» عنوانه «تقدم علمى تأخر فكرى»، تأليف الباحث سامح سعيد عبود، محور الإجابة هو أن الخرافة طريق سهل لتفسير الظواهر، أما العلم فهو طريق صحيح لكنه صعب ومجهد، ودائماً يطرح علامات الاستفهام، ولذلك فهو سهل التخلى عنه، خاصة من مجتمع أدمن الكسل العقلى مثل مجتمعنا.
يطرح الكتاب رؤيته عبر مشاركة القارئ علامات الاستفهام، ولا يدعى أنه يحتكر الحقيقة حتى يمنح القدوة فى اتباع المنهج العلمى، فيؤكد أن الإنسان العاجز والمستعبد بدلاً من أن يبحث عن تفسير كل ما يدهشه ويخيفه يلجأ للتفسير الخرافى حتى يأمن من الخوف!، ولاشك أن مجابهة الخوف بالعلم، الذى هو فهم الواقع من خلال تغييره، هى الحل والأمان، وروعته فى أنه حل واقعى وعملى وممكن وفعال، وإن كان لا يحوز روعة الخيالات المستحيلة للخرافة.
العلم لا يدعى أن حقائقه مطلقة، لأن الحقائق العلمية تعتمد على دقة الملاحظة والتجربة، وهذه الدقة تزداد بتقدم وسائل الرصد والتجربة، ودائماً يحتفل أنصار الخرافة بشرب نخب هزيمة العلم من خلال هذه النقطة التى يعتبرونها نقطة ضعف، وهى فى الحقيقة نقطة قوة، لأن اعتراف العلم بأنه نسبى وأن طريق المعرفة مازالت فيه محطات استفهام هو الذى يمنحه مفتاح الفضول العلمى ومن ثم حل المشكلات.
الأرض على قرن ثور، خيال أسطورى رائع، لكنه للأسف غير حقيقى وغير علمى مهما كتبه مفسرون عظام ورجال دين مبجلون، وليس من مهام العلم البرهنة على صحة تلك الأساطير والخرافات ولا الحلول محلها. ببساطة، ممنوع تداول الخرافات داخل المعمل، ولا يصح أن نقول فى كلية علمية محترمة لابد من عمل رسالة دكتوراة تثبت ما قاله فلان الفقيه أو القسيس فى كتابه المكتوب من ألف سنة، فليس من مهام العلم تبرير أساطير غير علمية لإرضاء نزعة انتصار طائفى زائف.
يجيب الكتاب عن سؤال مهم يحيرنا دوماً: كيف لأستاذ جامعة فى كلية علمية أن يتبنى التفكير الخرافى؟، وكيف يمكن لطبيب شهير مثلاً أن يمارس دجلاً طبياً أو ممارسة طبية قديمة تجاوزها الزمن وأثبت عدم صحتها العلمية تحت شعار الدين أو العادات أو التقاليد؟.. هؤلاء الأذكياء المثقفون إما أن لهم مصلحة فيما يدعون، أو أن ثمة عيباً فى طريقة تفكيرهم، أو خللاً ما فى طريقة تعلمهم وتثقفهم، أو أنهم شخصيات مأزومة نفسياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً، ولذلك تجد راحتها وحل مشاكلها فى الإيمان بالخرافات والأوهام، والهروب إلى دفء الخيال!!
المشكلة فى هؤلاء الذين يركنون للخرافة والمفروض أنهم يحملون شهادات علمية عالية، أن ذكاءهم وظيفى محدود، فى عملهم فقط، وتخصصهم فقط، لا يتعدونه قيد أنملة، ولأننا نتعلم ليس بغرض الفهم ولكن بغرض الحصول على شهادة دراسية، فنحن سنظل أسرى التفكير الخرافى، لأننا بطريقة تعليمنا نقتل غريزة حب الاستطلاع، ولا يصح أن نروّج للربط المتعسف بين الدين المطلق والعلم النسبى، لأنه ببساطة فى العلم كلمة «وإنت مالك.. إيه اللى حشر رأيك فى الموضوع» غير مقبولة، أما فى الدين فكلمة و«إنت مالك» مقبولة بل مطلوبة، لأن رأيك أدنى مرتبة، فهذا منهج وذاك منهج آخر ولا يصح الخلط بينهما، لأن ذلك ضرر على قدسية الدين وتقدم العلم كليهما، ويجعل عقل عالم الكيمياء والفيزياء انقيادياً وليس نقدياً.

احترسوا من مروجى اليأس


  بقلم   محمد البرغوثى    ٢/ ١/ ٢٠١٢
تفاءلوا بالخير تجدوه. ومع بداية كل عام جديد أتفاءل بالخير عادة، وأجاهد ما استطعت كل مظاهر الشر وانعدام الأمان وتراجع الإنتاج وتفشى الفساد والجشع، وسيطرة اللصوص والضعفاء مهنياً وأخلاقياً على معظم مواقع الإدارة. وفى بداية العام الماضى جاهدت كل مبررات التشاؤم وكتبت مقالاً فى هذه الزاوية بعنوان «فى انتظار الصباح» بشرت فيه نفسى قبل أن أبشر القارئ بتغيير كبير سيحدث قريباً، وكتمت غيظى وأنا أطالع تعليقات بعض القراء على ما كتبت: كانوا يائسين تماماً من أى تغيير، وكانت كتائب النفاق فى الصحف والفضائيات لا تتوانى لحظة واحدة عن زرع اليأس فى قلوب الجميع، على اعتبار أن الشعب المصرى كله قد تحول إلى جثة هامدة، وأنه لا يمكن أن يثور دفاعاً عن خبزه أو حريته أو حتى كرامته الإنسانية المهدرة.
وبعد أسابيع قليلة حدثت الثورة، خرجت الطليعة المثقفة أولاً، مع شباب «٦ أبريل» وحركة «كلنا خالد سعيد»، ومساء يوم ٢٥ يناير الماضى حسم الآلاف من أبناء الطبقة المتوسطة أمرهم، وقرروا النزول إلى الشوارع والميادين، ورغم مقاطعة الإخوان والسلفيين للمظاهرات شهدت أيام ٢٦ و٢٧ و٢٨ يناير عمليات مواجهة بطولية لأخطر وأفسد جهاز أمنى فى العالم كله، وعصر يوم الجمعة الموافق ٢٨ يناير أدركنا أننا فى قلب ثورة شعبية عارمة، وليس مجرد هبّة أو انتفاضة ستشتعل وتنطفئ سريعاً مثل أعواد الثقاب.
وقبل خطاب الرئيس المخلوع بساعات قليلة يوم ٢ فبراير الماضى، والذى لجأ فيه إلى استعطاف الشعب، وكاد يفلح فى دفع الوطن إلى حرب أهلية طاحنة، فوجئت بزميل لى فى «الأهرام» يضع يده على كتفى، ويخبرنى فى لهجة تهديد واضحة بأن الساعات المقبلة ستشهد نهاية مفجعة لهذه الثورة، وأن «الثوار العملاء» سيدخلون الجحور مثل فئران مذعورة، ونصحنى هذا الزميل بالتوبة العاجلة عما بدر منى فى حق الرئيس مبارك.
آنذاك كان الشعب المصرى كله ينتظر خطاب الرئيس، وكان لدينا بعض الأمل فى أن يستجيب هذا «العنيد» لمطالب الثورة، ولأننى أعرف تاريخ زميلى الذى هددنى، وأعرف مدى قربه من دوائر التآمر، فقد توجست خيفة من هذا الخطاب المنتظر، ولكننى رغم ذلك جاهدت خوفى وقلت له: خلال أيام قليلة سيسقط مبارك.. وبعد سقوطه لن يتحول أنصاره إلى فئران مذعورة، لأننا سنحميهم من أى ظلم أو انتقام... وأراهنك من الآن أنك بعد أيام قليلة ستتحول إلى إنسان منبوذ فى الأهرام، ولكنى أطمئنك بأننى سأتدخل لحمايتك، ولن أسمح لنفسى أو لأحد من زملائى بإهانتك. يومها غادرنى الزميل وفى عينيه نظرة تهديد واثقة، وعندما ألقى الرئيس السابق خطابه وخرجت بعض الجماهير المؤيدة له فى مواجهة الجماهير المطالبة بسقوطه ومحاكمته أيقنت أننا أمام مخطط شيطانى تم الإعداد له جيداً، يقوم على دفع قطاع من الشعب إلى الفتك بالثوار.
بعد ذلك تطور هذا المخطط إلى استخدام البلطجية وأمناء الشرطة وأرباب السوابق والعاطلين عن العمل لإفساد الثورة وتأديب الثوار، ولم يتوان الرئيس المخلوع وأركان نظامه ورجاله المدسوسون فى مواقع الإدارة عن استخدام هذا المخطط حتى الآن، ولا يكاد يمر أسبوع واحد إلا نشهد عملاً تخريبياً تلجأ السلطة القائمة إلى اتهام الثوار بارتكابه.
ورغم ذلك لم نفقد الأمل، ولا ينبغى أن نفقده، لأن الثورة المضادة لن تنجح أبداً إلا إذا أطفأت الأمل فى قلوبنا ودفعتنا إلى اليأس من جدوى الضغط السلمى لاستكمال أهداف الثورة المجيدة.
التفاؤل هو وقود الثائر، وطاقة الحالم بوطن أكثر عدلاً وأقل ظلماً.. وإنى لواثق أن شمس العمل والإنتاج والعدالة والكرامة الإنسانية والمساواة قد آذنت بالشروق. فلنعتصم بالأمل ولنحترس أشد الاحتراس من مروجى اليأس الذين يخوضون أشرس معارك النزع الأخير.

جماعة الأمر (باللحية) والنهى عن (الفتلة)


  بقلم   حمدي رزق    ٢/ ١/ ٢٠١٢
حبانى الله شنبًا كثيفاً لوَّنته الأيام بالأبيض على وجه أسمر يسر الناظرين، كان كافيًا، كافى خيرى شرى، ومن أمتع مشاهداتى فيلم «شنبو فى المصيدة» بطريقة نطق العظيم يوسف وهبى، شنبو، تفخيماً، يا أستاذ شنبى، ويرد فؤاد المهندس، شنبو، شنبو ياعالم،
معلوم أن شنبو فى الفيلم كان شنبه رفيعاً كشنب السحلية، لكنى لم أنضم طيلة حياتى لجماعة الشنب الأعظم التى تشكلت فى القاهرة، وامتدت شنباتها إلى الأقاليم، وأحد أعضائها يجر سيارة فولكس بشنبه الذى يشبه الرافعة علوًا.
كنت أتحسس شاربى كلما همَّ به الحلاق، ولا أنسى فردة شنب عبدالفتاح القصرى، التى أكلها المقص فى لحظة غفلة من الحلاق فطفق يهذى «شنبى ياهووه»، الخلاصة شنبى وأنا حر فيه، أحلقه، أربيه، الآن «الشنب وحده لا يكفى» الشنب مش كفاية، حتماً ولابد من لحية نابتة، ناتئة، ويفضل الوافرة، الطويلة، تطول، شبراً، شبرين، وهناك لحى تذهب لأسفل حتى السرة كما كانت فى أفلام صدر الإسلام.
وفى طول اللحى فليتنافس المتنافسون، إسلامياً توفير اللحى من سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام وأوصى بها، واتباع سنن الرسول (صلى الله عليه وسلم) من حسن إيمان المسلم. روى البخارى ومسلم عنْ ابْنِ عُمَرَ رضى الله عنهما عَنْ النَّبِى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ). (وفروا اللحى) أى: اتركوها وافرة، «فتح البارى».
حالياً تتعدد اللحى، اللحية الإخوانية مشذبة مهذبة لا تطول كثيراً، لامعة فى وجوه نضرة، اللحية السلفية مشعثة، نافرة، تطول طويلاً قبضة أو قبضتين وأحيانا ثلاثاً، اللحية العلمانية لحية غناوة، لحية تدل على صاحبها، وعادة ما تصاحب الفنانين،
 وتحضرنى لحية الصديق الفنان صلاح عنانى التى تشبه اللحى الإخوانية لكنه علمانى، لحية الصديق الفنان جورج البهجورى أقرب للحى السلفية مشعثة ليست مشذبة رغم أنه مسيحى، لكنه مدرسة خاصة فى الفن واللحية، أما لحية العزيز جورج إسحاق فلها قصة سياسية،
جورج ربَّى لحيته حتى لا تصير اللحية تمييزاً لطرف سياسى دون آخر، أنت ملتح وأنا ملتح وليختر الناخبون، لكن البورسعيدية لم يختاروا لحية جورج، فضلوا عليها لحية أكرم الشاعر، فضلوا لحية الإخوان.
سلو بلدنا الآن تربية اللحى، عند كثيرين سنة نبوية، وعند البعض قيمة جمالية، وعند نفر من الناس تقية، والتقية علمها عند الشيعة، ولكن بعض صالونات الحلاقين تتقى من التقية، غيرت أولوياتها بالفعل، شعارها الأثير (شعر ولا دقن؟) حتما سيتغير،
سيصير شعرا بلا دقن ولا فتلة، ما جرى فى بورفؤاد أخيراً من طرف جماعة الأمر باللحية والنهى عن الفتلة يخيف طائفة من الحلاقين يعملون الفتلة فى وجوه الرجال تشبهاً بالنساء، عصبة من أصحاب الجلابيب مروا على حوانيت الحلاقين محذرين من حلق اللحية ومنذرين من استخدام الفتلة (اليوم السابع).
معركة (الفتلة) التى تداولتها المواقع الإلكترونية صاخبة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، لن تمر على الحلاقين بسلام، فالذقن قبل الشعر أحياناً، والسؤال عند الحلاق عادة «شعر ولا دقن؟» (بالدال)، والرزق يحب الخفية، والخفة واستعراض المهارات التجميلية فى حلاقة الدقن، وتسوية الحواجب والشوارب، معكوساً صار السؤال «دقن ولا شعر؟»، تربية الدقون (لا حلقها) صارت تخصصاً دقيقاً عن الحلاق، بعضهم خصص مقعداً للدقون، بمعدات خاصة، للتهذيب، والتشذيب، والصبغة، وصار هناك حجز لحية كما هناك حجز شعر.
تربية اللحى آخذة فى التنامى مع صعود التيارات الدينية فى المشهد السياسى المصرى، البعض يربيها تزلفاً، والبعض يفضلها اتساقاً، وبعضهم تسبق لحاه موقفه السياسى، نفر منهم نبتت له لحية داخل حلقه، فصار يتكلم كلام الملتحين رغم أنه أجرودى أى نزير الشعر فى الذقن، والحاجبين، يتبدلون تبديلاً.
الوجوه الحليقة لا محل لها من الإعراب فى الحياة السياسية المصرية، أخشى أن اللحية صارت قربى، لن يرضى عنك الإخوان والسلفيون حتى تتبع ملتهم، أقصد لحيتهم، دعك من الزبيبة، التى جلبت على الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطى حجازى هجمات مروعة فقط لأنه تقوَّل عليها وهى من أثر السجود، ولا تثريب على تربية اللحى،
 ولكن لحية اقتداء، وابتغاء، من السنن، ليست لحية موالسة، ورياء، ونفاق، الإخوان يريدون أصواتكم، ليس لحاكم، والمناصب فى الدولة الإخوانية لن تكون قصراً على الملتحين، بين الإخوان من هم حليقو الوجه على ما أعلم والمرشد يعلم، كما أن فى وزارة الجنزورى وزيراً ملتحياً والله أعلم بخلفيته السياسية: إخوانية ولا تثريب.
http://www.almasryalyoum.com/multimedia/video

الأحد، 1 يناير 2012

اللجان الشعبية ومحافظة القاهرة «إيد واحدة» لرفع ١٥٠٠ متر «زبالة» فى أسبوع

 


بالتعاون مع اللجان الشعبية، وشباب ائتلاف الثورة والجمعيات الأهلية، نظمت هيئة نظافة وتجميل القاهرة حملات لإزالة مخلفات الهدم والبناء، ورفع أكوام القمامة، وتكثيف عملية التشجير والتجميل، ورفع كفاءة الإنارة بالشوارع فى عدد من أحياء القاهرة.
وأكد المهندس حافظ سعيد، رئيس هيئة نظافة وتجميل القاهرة، أن أحياء السيدة زينب، والمرج، والمقطم، والوايلى، وبولاق، وعين شمس، والبساتين، ودار السلام، وشبرا شهدت حملات موسعة لتكثيف عملية النظافة، ورفع كفاءة الإنارة والتشجير بجميع الشوارع الرئيسية والفرعية بتلك الأحياء، ورفع جميع الإشغالات، على أن تستمر الحملات بباقى الأحياء فى مناطق الأربع على مدار الأسبوع.
وأشار رئيس الهيئة إلى أن تلك الحملات بدأت يومياً وعلى مدار الأسبوع بأحياء السيدة زينب واستمرت ٣ أيام على فترتين صباحية ومسائية لإزالة جميع التراكمات حول سور مجرى العيون، ثم حى روض الفرج بمنطقة كوبرى الصنايع، وانتقلت الحملة إلى حى المرج، وحيث شارع مؤسسة الزكاة، كذلك حى المقطم ومنطقة مساكن الزلزال وتم التركيز على شارع السوق التجارى، ثم انتقلت إلى أحياء دار السلام والبساتين بشارعى (أحمد زكى، والفيوم)، ثم حى عين شمس بشارعى (أحمد عصمت، وإبراهيم عبدالرازق).
ولفت إلى أن هذه الحملات أسفرت مجمعة عن رفع ونقل أكثر من ١٠٠ نقلة لورى قلاب، بإجمالى ١٥٠٠ مترمكعب من القمامة وأخرى من مخلفات الهدم بشوارع الحى، بخلاف ما تم رفعه بواسطة متعهدى القمامة والمجمع السكنى و

ثورة جديدة أم ذكرى للثورة: «٢٥ يناير» مغلق أمام الأفراح


    حنان شمردل    ١/ ١/ ٢٠١٢
الدعوة لاعتبار ٢٥ يناير الجارى ثورة جديدة وليس احتفالاً بالثورة التى انطلقت قبل عام طغت على كل الاستعدادات لهذا اليوم، لدرجة أن عدداً من الشباب تراجع عن إقامة زفافه فى هذا اليوم، واضطر أغلب الفنادق وقاعات الأفراح إلى إلغاء الحجوزات فى هذا اليوم.
العقيد «أكرم بهيج»، مسؤول الحفلات فى نادى شرطة الجزيرة فى الزمالك، أكد أن الهدوء هو سيد الموقف فى حجوزات الأفراح، وقال: «رغم التخفيضات الكبيرة اللى عملناها، لكن للأسف مفيش إقبال، بسبب الحالة الاقتصادية التى تمر بها البلاد عقب الثورة، وبسبب الاعتصامات والمظاهرات، وبصراحة ألغينا الأفراح يوم ٢٥ يناير، لأننا مش عارفين إيه اللى هيحصل، فلما نمنع الحجز أحسن ما نلغيه يومها أو قبلها بساعات، لأن العقد فى هذه الحالة سيكون ضدنا، والخسارة إحنا اللى هنتحملها، فبناقص يوم».
وبررت كريمان، مسؤولة إدارة الأفراح فى أحد فنادق الهرم، عدم حجز الأفراح فى هذا اليوم: «إحنا فى ظروف صعبة ومبقاش فيه أفراح من أساسه، وكل الناس خايفة من اللى هيحصل فى ٢٥ يناير، ومحدش حجز لحد دلوقتى، فقررنا إننا ناخدها من قصيرها ونلغى الحجوزات فى هذا اليوم تحسباً لأى أحداث، خاصة أنه سيوافق يوم أربعاء، وهو يوم ضعيف فى نسبة الأفراح بشكل عام.
لم يختلف الحال كثيراً فى أماكن عقد القران ودور المناسبات، فرغم إقبال كثيرين على الحجز فى هذا اليوم، فإن الدعوة التى انطلقت على «فيس بوك» للنزول مرة أخرى واستكمال الثورة دفعتهم إلى إلغاء الحجز، حسب تأكيد كريمان، مسؤولة الحجز فى مسجد الشرطة، وقالت: «لحد امبارح تم إلغاء كل الحجوزات عدا حجز واحد، لكنه على وشك الإلغاء، لأن العريس اتصل وطلب التأجيل ومازال يبحث عن يوم يناسبه، لذا قررت أخذ اليوم ده إجازة، محدش عارف إيه اللى هيحصل فى البلد، وكده كده مفيش شغل»

موسوعه حكم مصر من بداية عهد الفراعنة https://youtu.be/jJ