الاثنين، 6 فبراير 2012

ماذا يحدث لمحميات مصر الطبيعية؟! بقلم محمود القيسونى ٦/ ٢/ ٢٠١٢


مع كل الكوارث التى تمر بها مصر فى الآونة الأخيرة يؤسفنى إضافة كارثة تزحف بسرعة لا يمكن علاجها إذا دام هذا الحال. وهى مرتبطة بكنوز مصر الطبيعية، هبة الله لمصر ومصدر رزق آلاف الأسر وشركات السياحة ومحط دراسات علماء مصر والعالم لندرتها وثرائها وروعتها، وهو ما نتج عنه طبع مئات الكتب المصورة المبهرة بجميع لغات العالم وإدراج مصر فى السنين الأخيرة ضمن النمط السياحى العالمى المتضاعف، أى السياحة البيئية.
ما يحدث اليوم هو تدهور عنصر جذب سياحى وعلمى رئيسى يستحيل تعويضه ألا وهو البيئة المصرية وما تضمه من محميات ستبلغ مساحتها عام ٢٠١٧ حوالى عشرين فى المائة من الأراضى المصرية، وهى محميات تضم كنوزاً طبيعية، أمانة حمايتها تقع على عاتق جهاز شؤون البيئة الذى تم تأسيسه منتصف التسعينيات من القرن الماضى، ليضم العلماء والخبراء والمتخصصين فى كل مجالات البيئة من التنوع الحياتى والجيولوجى والبحرى، وكانت النتائج مبهرة من حيث الإنجازات والأبحاث والدراسات والمطبوعات، ثم حدث ما لم يتخيله أحد، حيث بدأت جهات لها ثقل سياسى منذ أكثر من عشر سنوات فى التدخل الكامل المتكامل فى أعمال هذا الجهاز العلمى المتخصص،
وكان أخطر أشكال هذا التدخل هو لفظ علماء وخبراء ومتخصصى هذا الجهاز بأساليب عديدة أخطرها فرض قيادات وموظفين من وزارات أخرى يتم تكريمهم، بدلاً من إحالتهم للمعاش المبكر، فيتم نقلهم إلى جهاز شؤون البيئة، ووزارة الدولة لشؤون البيئة بها قيادات وموظفون يحتلون مقاعد القيادة والتوجيه داخل الجهاز والوزارة رغم أنه لا علاقة لهم بتاتاً بعلوم البيئة، لا من قريب ولا من بعيد -هل يتخيل أحد نقل مهندس محركات نفاثة من وزارة الطيران ليحتل مقعد وكيل وزارة الزراعة لشؤون الحاصلات الزراعية؟- فيقومون بفرض أنفسهم وأسلوبهم غير القابل للنقاش على العلماء والخبراء والمتخصصين فكانت النتيجة الطبيعية انسحاب معظم هذه الكوادر المتخصصة، تبع ذلك التدهور المميت لمحميات مصر الطبيعية وتقلص إمكانيات إدارتها لمستوى مؤسف بكل المقاييس،
تبع ذلك شجب ونقد وصور تتناقلها شبكات الإنترنت المحلية والدولية، تلاها تقليص المعونات والمساعدات الدولية التى كانت تنهمر على هذه المحميات مثلما حدث لمحمية سانت كاترين، والتى قامت السوق الأوروبية المشتركة بدفع أفضل الخبراء البيئيين الدوليين لإعدادها وتجهيزها لترقى إلى مستوى المحميات العالمية وحققوا المطلوب بتكاليف تعدت الثمانين مليون جنيه وجهود استغرقت خمس سنوات ونصف السنة ومثل ما حدث بمحمية الريان ووادى الحيتان ومحمية وادى الجمال حماطة وأمثلة أخرى عديدة، اليوم هاجر علماء وخبراء هذا الجهاز للعمل بالدول العربية، والتى تسابقت لتوظيفهم والاستفادة منهم وتكريمهم، بينما الجهاز والوزارة كلما دخل خبير أو عالم مصرى أو أجنبى لطلب أى شىء مرتبط بعلوم البيئة وإدارتها وحمايتها يصطدم بشخصيات سيرتها الذاتية مشرفة بالتأكيد، لكن فى تخصصات وعلوم بعيدة كل البعد عن البيئة وعلومها، والحال يتفاقم يوماً بعد يوم، وسيتحول اسم الجهاز إلى جهاز تكريم موظفى وزارات الدولة (البيئة سابقاً).
اليوم تتدهور بيئة المحميات الطبيعية بسرعة وعدد من الكائنات المصرية الجميلة مهددة بالانقراض، وكلها هبات إلهية لا يمكن تعويضها أو إعادة بنائها مثلما حدث خلال الثلاثين عاماً الماضية ويحدث حتى الآن لأراضى مصر الطينية الخصبة والتى تم تبويرها والبناء عليها، مما تسبب فى فقد ثلثى الأراضى الزراعية إلى الأبد ودفع المستثمرين والحكومة للزراعة فى الرمال بتكاليف باهظة ومثلما حدث لشعاب مصر المرجانية والتى كانت فى الترتيب العالمى العاشرة فتم نسف وردم أكثر من ربعها لصالح المشاريع السياحية والعمرانية وفقدت السياحة شريحة ضخمة من عناصر الجذب السياحى لمصر، مطلوب فوراً تسليم جهاز شؤون البيئة للعلماء والخبراء المتخصصين ووقف عمليات نقل موظفى وزارات الدولة للمناصب القيادية فى هذا الجهاز العلمى المتخصص.

هل يدركون ماذا يفعلون ؟ بقلم د. يحيى الجمل ٦/ ٢/ ٢٠١٢


هل يدرك الشباب الذين وقفوا على قناطر إسنا ومنعوا عشرات المراكب السياحية من العبور وحاصروا عدداً من السياح جاءوا إلى مصر رغم المخاطر وكانوا يستحقون أن نقبلهم ونهدى إليهم الزهور فإذا بمجموعة من شبابنا يحيطون بهم ويمنعون حركتهم ويجعلونهم يندمون أنه خطر بذهنهم أن يحضروا إلى هذا البلد البائس الذى يحاول بعض أبنائه بقصد أو بغير قصد هدمه وتدميره. هل يدرك هؤلاء ماذا فعلوا بهذا البلد الذى منحهم الحياة ونور العين، وأولئك الذى قطعوا الطريق الدولى فى وسط سينا وحاصروا بعض الخبراء الصينيين هل يدركون مدى شناعة ما يفعلون بهذا البلد الذى أعطانا جميعاً بغير حدود.
ماذا يريد هؤلاء بمصر، هل يدركون ماذا يفعلون؟
والذين يريدون الحيلولة بين النواب ودخول مجلس الشعب- أول مؤسسة يختارها الشعب- بإرادته الحرة سواء رضى البعض عن النتائج أم لا- لكى يمارسوا مهامهم فى التشريع والرقابة. ماذا يقصدون إليه وماذا يبتغونه من وراء ذلك.
وكذلك الذين حالوا بين رئيس الحكومة وأعضاء الوزارة من الوصول إلى مقر مجلس الوزراء، لكى ينجزوا ما تعهدوا به ويضطروهم إلى اللجوء إلى أماكن أخرى يتحايلون من أجل الوصول إليها- ماذا يريد هؤلاء الثوار الصناديد الذين يغارون على مستقبل مصر ويريدون لها الخير كل الخير. هل نحن فى مسرح للعبث أم نحن نعيش فى وطن يريد بعضنا بناءه ويصمم بعضنا الآخر على هدمه على رؤوس الجميع؟
هل ندرك حقاً ماذا نفعل بهذا البلد الذى أخرج أنبل ما فيه فى الأيام الأولى لثورته ثم أخرج بعد ذلك أسوأ ما فيه من عناصر مهما كانوا قلة إلاّ إنها قادرة بالصوت العالى وبعدم الإحساس بالمسؤولية وبما قد يكون وراءها من أصابع تحركها- شعروا بذلك أو لم يشعروا- على تخريب هذا البلد وتعطيل مسيرته نحو البناء. تعالوا نسأل أنفسنا بهدوء ماذا تريد مصر الآن وماذا نريد من مصر الآن وذلك مع افتراض أننا حريصون على هذا البلد وأننا لا نريد له الخراب والدمار والعياذ بالله ولن يجرؤ أحد أن يقول- حتى ولو أبطن غير ذلك عن غفلة أو عن عمالة لا قدر الله- أنه يريد لهذا البلد الخراب كما يفعل بعض «الثوار» الآن فى سينا حيث يعتقلون خمسة وعشرين خبيراً صينياً- ينتمون إلى العدو الإسرائيلى فيما يبدو- ويحاصرون مئات السياح السذج الذين جازفوا وجاءوا إلى مصر وذهبوا إلى الجنوب يريدون زيارة الأقصر وأسوان.
ويعلن هؤلاء «الثوار» الأماجد أنهم لن يفرجوا عنهم حتى يتأكد لهم أن كل من يفكر فى زيارة مصر أو السياحة فيها قد تاب وأناب حتى يكتمل الخراب والعياذ بالله.
وأنا أكتب هذا المقال ولم أكمله بعد، حدث ما حدث فى بورسعيد وفى استاد القاهرة.
وتذكرت بيت أحمد شوقى أمير الشعراء الذى يقول فيه:
لحاها الله أنباءً توالت على سمع الوليّ بما يشق
لم أشعر قط بسحابة من الحزن والاكتئاب والخوف على هذا البلد قدر ما أحسست وأنا أسمع ما حدث فى بورسعيد بعد مباراة كرة قدم ولم يكن مصدر الحزن والاكتئاب هو عدد القتلى والمصابين فقط ولكن كان المصدر الأساسى لهذا الشعور هو ذلك السلوك الهمجى التخريبى الذى ساد الجمهور. ولم يكن الشعب المصرى أبداً هكذا. لقد نشأت فى قرية صغيرة ثم انتقلت إلى مدينة كبيرة فى وسط الدلتا ثم جئت إلى القاهرة حيث قضيت أغلب العمر حتى الآن وأكاد أجزم أننى لم أشاهد سلوكاً مثل هذا السلوك على مدار قرابة ثلاثة أرباع القرن.
هل هى مصادفة وأمر عابر أن يحدث ما حدث وهل هو نتيجة انفعال عارض لدى مجموعة من الشباب المتحمس. يستحيل أن يكون هذا العنف وهذه الحوادث المتتالية فى سيناء وفى الصعيد وفى القاهرة ثم فى بورسعيد وفى الاستاد الكبير ليس من الممكن أن يكون هذا مجرد مصادفة ومجرد انفعال بل هو أمر مدبر بعناية من أجل تخريب مصر. أكاد أجزم أن هذا الذى حدث بهذا التوالى هو أمر محكم التدبير ولا أستبعد إطلاقاً أنه نتيجة التقاء بين عناصر داخلية وعناصر خارجية.
أما الداخل فلا أعفى منه عصابة طرة وعناصر الثورة المضادة التى تحدثت عنها منذ مارس الماضى كذلك أكاد أجزم أن هناك أيدى إسرائيلية تخطط لكل هذا من أجل هدم مصر وعدم قيام دولة ديمقراطية مدنية قوية تقود المنطقة من جديد.
وقد قرأت أن المشير طنطاوى قال «الحادث مدبر لزعزعة الاستقرار فى مصر» وهذا صحيح جملة وتفصيلاً.
كذلك قرأت أن الصديق د.عصام شرف رئيس مجلس الوزراء السابق صرح بأن هذه الأحداث مدبرة وأنه لا يستبعد وجود أيد خارجية وراء ما حدث، وهذا أيضاً صحيح تماماً. وأدرك أن الجميع يتفادى الحديث عن الأصابع الإسرائيلية ولكننى لا أخفى ذلك من زمن.
وقد احتجت الحكومة الإسرائيلية على تصريحاتى عندما كنت عضواً فى حكومة عصام شرف. احتجت إسرائيل على تصريحاتى مرتين لدى وزارة الخارجية المصرية عندما قلت إن إسرائيل وراء إثارة أحداث الفتنة الطائفية.
وأكرر الآن أن إسرائيل لن تنسى أبداً أنها فقدت كنزاً إستراتيجياً عندما أزيح حسنى مبارك وعندما حاول الشعب المصرى أن يبدأ ثورته. وها هى تخطط بكل ما تقدر- وهى للأسف قادرة- على تدمير هذا البلد على يد بعض أبنائه. هل يدرك هؤلاء أن مصر الآن بها قرابة أربعون مليون شاب تحت سن الخامسة والعشرين وأن كل واحد من هؤلاء ينتظر وظيفة ومسكناً ويؤمل فى حياة زوجية؟ هل يدرك هؤلاء هذا وأن هذا يحتاج إلى بناء وليس هدم.
هل يدرك هؤلاء أن أربعين فى المائة من الشعب المصرى تعيش تحت خط الفقر وأن نصف هؤلاء فى فقر مدقع. وأن مصر محتاجة إلى كل لحظة عمل وبناء.
ليتهم يدركون أن المعبد عندما يهدم سيهدم على رأس الجميع والعياذ بالله.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
http://www.almasryalyoum.com/multimedia/video

الأحد، 5 فبراير 2012

شهداء الاهـلى


مؤامرة بقلم علاء الدين عبدالمنعم ٥/ ٢/ ٢٠١٢


ما حدث فى استاد بورسعيد لا يمكن أن يكون حدثاً عفوياً أو غضباً جماهيرياً أو أحداث شغب عادية تعودنا عليها فى بعض المباريات، فأقصى ما يمكن توقعه من نتائج هذا الشغب هو حدوث إصابات أو جروح أو إحداث تلفيات بمنشآت الملعب الذى تقام فيه المباراة، أما أن يصل عدد الضحايا إلى أكثر من سبعين شهيداً فهو أمر مستحيل فى الأحوال المعتادة، ففى موقعة الجمل التى استمرت أكثر من ١٨ ساعة لم يزد عدد الشهداء على أحد عشر شهيداً، وكانت معركة ضارية قُصد بها إجهاض الثورة ولم تكن عفوية بل عمدية قُصد بها إلحاق الأذى وترويع الثوار فى ميدان التحرير، ولذا فإن ما حدث فى استاد بورسعيد لايمكن إلا أن يكون مؤامرة مدبرة لما يلى:
١ - إن أجواء الشحن قبل المبارة كانت معلومة للجميع، خاصة لأجهزة الأمن، فضلاً عما هو معروف من خصومة كروية تاريخية بين جماهير الفريقين، ومع ذلك لم تتخذ الإجراءات الأمنية الكفيلة بمنع هذه الكارثة قبل وقوعها.
٢ - كان يتعين اتخاذ الإجراءات الضرورية لتأمين دخول الجمهور إلى الاستاد، كتفتيش الداخلين لمنع دخول أسلحة نارية أو بيضاء أو ألعاب نارية.
٣ - تقليل أعداد الجماهير بما يسمح لقوات الأمن بالسيطرة إذا ما اندلعت أعمال عنف أو شغب.
٤ - تأمين الملعب لمنع نزول الجماهير إلى أرضه، وهو أمر محتمل بنسبة كبيرة فى المباريات عامة وفى هذه المبارة على وجه الخصوص.
٥ - لم تتخذ قوات الأمن مواقع لها للفصل بين جماهير الناديين، فضلاً عن وجوب الفصل بينهما بمساحات خالية من المقاعد.
٦ - لوحظ من مشاهدة الأحداث أن المئات كانوا يقطعون أرض الملعب طولياً- من المرمى إلى المرمى- دون أن يتعرض لهم أحد سواء من رجال الشرطة او القوات المسلحة، بل أظهرت بعض المشاهد السماح لهذه الحشود بالنزول إلى أرض الملعب وإفساح الطريق لهم.
٧ - إن طبيعة الإنسان المصرى فى العموم لا تسمح له بممارسة العنف بهذه الطريقة الوحشية، فغالبية المصريين لا يميلون للدموية، وبالتأكيد إذا كانت غالبية جمهور النادى المصرى متواجدة داخل الاستاد لمنعت حدوث ذلك، خاصة أن فريقهم خرج من المباراة فائزاً وهو ما يقطع بأن غالبية من تم حشدهم فى الملعب هم من البلطجية المأجورين.
٨ - لم تنف وزارة الداخلية ما نُشر فى صحيفة «المصرى اليوم»، عدد الجمعة، من أنه تم نقل اللواء سامى الروبى، مدير أمن بورسعيد السابق، لمقر الوزارة بالقاهرة قبل المباراة بعشرة أيام لِمَ عُرف عنه من أسلوب متشدد فى تأمين مباريات كرة القدم، وهو ما اتضح من أسلوبه فى تأمين مباراة الاتحاد السكندرى والمصرى فى بورسعيد وإصراره على تفتيش المشجعين السكندريين والأتوبيسات التى نقلتهم ومصادرة ما تم العثور عليه من أسلحة بيضاء، فاستُبعد الرجل دون حركة تنقلات معتادة وبصفة استثنائية.
٩ - إن أسلوب اغتيال الضحايا بإلقاء بعضهم من أعلى نقطة فى مدرجات الجماهير إلى الشارع بارتفاع يزيد على خمسة أدوار واستعمال الأسلحة البيضاء فى طعنهم وتقطيع أجسادهم، وخنق البعض الآخر «بالكوفيات» لا يمكن أبداً أن يكون سلوكاً جماهيرياً من جماهير عادية، وإنما هو أسلوب بلطجية وقتلة محترفين ينفذون جريمة سبق التخطيط لها بإحكام، وساعدهم فى ذلك تراخ يصل إلى حد الجريمة فى السيطرة على مجريات الأمور.
وعلى ذلك فإن الأمر أكبر بكثير من عجز أو فشل أجهزة أمنية بل هى مؤامرة مدبرة بإحكام للقضاء على الثورة وإدخال البلاد فى فوضى عارمة، بل هو تكرار لفلسفة النظام القديم فى موقعة الجمل بأن نجعل الشعب فى مواجهة الشعب ولا نلطخ أيدينا بدمائهم.

حتى لا يطير الدخان بقلم جلال عامر ٥/ ٢/ ٢٠١٢


إنهم يحيطون بنا من كل جانب بالدهاء و المكر و الخبث و الكُره الشديد لكل شعب مصر متسلحين بإنعدام الدين و الضمير و المال الحرام الذي ما زالوا ينهبونه و يسرقونه و يفقرون شعب مصر هم و أعوانهم و شركاهم في الخارج .. عارف حضرتك ليه ؟ لأن الفقر هو أس البلاء و هو كل المشاكل حتى يتحكموا في مصر بإذلال الشعب الغلبان الذي لم يجد يوما حلوا في ظل الفقر !! و في ظل الفقر و قوانينه و نتائجه تبرز و تظهر أسوأ ما في النفس البشرية من الطمع و اللامبالاة و الجشع و الإحباط و العجز و الكسل و يالا نفسي و أنا و من بعدي الطوفان و خُد عندك بقى سرقة و قتل و دعارة و نهب و تعصب و إنحطاط و فوضى و غوغائية و جهل و مرض و تأخر و هسس و هبل و عبط إجتماعي و إقتصادي عشان الكلاب تعيش و الشعب لا تظهر له ملامح آدمية .. و الكلاب عايشة مستريحة هم و أولادهم لا يعلمون عدد أموالهم و ثرواتهم و الشعب الغلبان لا يعرف عدد أمراضه التي فُرضت عليه فرضا في جميع المجالات .. و الله نار قايدة في قلبي و بركان في كياني كله و كمية غضب لو طلعت في أي من الكلاب المسعورة لقتلتها .. إنهم يحيطون بنا و لا يريدون لمصر أن تقوم و تقف و تتقدم إنهم أمريكا و أوروبا و كلابهم المسعورة و عملائهم ..... يتبع .امتنعت ٧٢ ساعة عن الكتابة حداداً ونكَّست «القلم» وتأملت حتى أفهم، وعندما فهمت بكيت دون قنابل مسيلة للدموع.. فمن هو الظالم الذى حوَّل مدينة حاربت ثلاث دول من أجل الوطن إلى مدينة تحارب من أجل ثلاث نقاط.. من الذى شوَّه المجتمع وغيَّب الوعى وضيَّع العقول وأفهمنا أن الديكتاتورية هى أن نسرق البنوك فى السر والديمقراطية هى أن نسرق البنوك فى العلن، وأن الديكتاتورية تبيع مؤسسات الدولة لكن الديمقرطية تحرقها.. وإذا كان المواطن العادى يعيش على الأكجسين فإن الدول المتخلفة تعيش على قنابل الدخان، وتستمر الفوضى حتى لا يطير الدخان والمستخبى يبان..
 لذلك نبحث عن المؤامرة الصغرى فى الشوارع والملاعب وننسى المؤامرة الكبرى على الوطن.. من الذى يعوق تطوير العلم والتعليم والإعلام؟ من الذى يزرع الكراهية فى المجتمع؟ من الذى خلط الاقتصاد بالسياسة ليبيع القطاع العام ويحصل على «مكاسب»؟ ومن الذى خلط الدين بالسياسة ليشترى الرأى العام ويحصل على «مناصب»؟ ولماذا خلطوا الرياضة بالسياسة لتحدث «المصائب»؟ فعرفنا القتل النوعى على الهوية الاقتصادية (الفقراء)، وعلى الهوية الدينية (الأقباط)، وعلى الهوية الرياضية (الأهلاوية)..
من الذى جعل علاقاتنا الخارجية عن طريق الجماعات والجمعيات وليس عن طريق السفارات؟ ولماذا تحمى الشرطة الحدود بسبب الاتفاقية وينظم الجيش المرور بسبب الثورة؟ وهل بعد التلاعب فى الأنظمة سيتم التلاعب فى هذه الحدود؟ والشعب استدعى السيد المشير للتصرف وفوجئنا بعد عام بالسيد المشير يستدعى الشعب للتصرف! فإذا كان الشعب يستدعى المشير والمشير يستدعى الشعب فإن ما يحدث ليس ولادة فارس أو زعيم لكنه مخاض مستبد وطنى أو محتل أجنبى..
 فى هذه الأيام إذا أردت أن تبرئ متهماً شكِّل له محكمة وإذا أردت أن تخفى الحقيقة شكِّل لها لجنة وإذا أردت أن تضيع شعباً اشغله بغياب الأنبوبة وغياب البنزين، ثم غيِّب عقله واخلط السياسة بالاقتصاد بالدين بالرياضة بحلم ميدان التحرير وفيلم شارع الهرم ومباريات كرة القدم ليتحول الوطن إلى رغيف «حواوشى».. وعلى مائدة الطعام يشبع الجميع وعلى مائدة القمار يخسر الجميع.إنهم يحيطون بنا و إنه العداء التاريخي و صدام الحضارات القادم لا محالة و هم من قرروا هذا الصدام و ليس نحن من قرره ! و قد فرضوه علينا فرضا و عليهم تحمل ما إقترفت أيديهم حينما ترجع القوة للمسلمين العرب مرة أخرى في المستقبل .. إنهم يحيطون بنا هم و شركاؤهم بعداء تاريخي مقيت رهيب و كُره و حقد أزلي لن يزول و لكن عدالة السماء موجودة و ما فعلوه في الماضي و يفعلونه في الحاضر بشعب مصر فسيجدون حسابه في المستقبل لا محالة لأنهم قد ربّوا جيلا مصريا سيكون من أشرس ما يمكن و لا يخاف الموت و لن يستطيعوا كبح جماح إنتقامه منهم في المستقبل لأن قانون الفيزياء يقول لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار و مضاد له في الإتجاه !! لذلك أي رد فعل هذا الذي سيكون من جانبنا في المستقبل ؟ إنه شيئ رهيب مرعب مخيف و لكنها قوانين العدل فكما فعلوا بنا فسيفعل أولادنا و أحفادنا بهم و سيردون الفعل برد فعل رهيب شنيع .. لقد ظهرت صورهم القبيحة بلا أقنعة و نفوسهم الدنيئة بلا ماكياج و قلوبهم الوضيعة بلا رتوش و هم على قدر تقدمهم العلمي فإنهم أغبياء جدا لأنهم لم يقرأوا التاريخ و لم يستوعبوا درسا واحدا كما أن الطاقة الإيجابية و الطاقة السلبية سترتد وبالا عليهم .. إنهم يحيطون بنا هم و كلابهم ينهشون فينا و يقتلوننا و يسرقوننا و يضعفوننا بأساليب تعجز عنها الشياطين .. إنهم يحيطون بنا هم و أتباعهم بعد ما كل شخص مصري يهودي !! مسيحي !! مسلم !! بهائي !! مجوسي !! لايعبد شيئ !!!!!!!!! قد ذرف دموع لم يذرفها طوال حياته علي زهور مصر !!!!!وماذا بعد !!!!! وماذا بعد ياخال جلال !!! وماذا بعد ياكل مصري !!! وماذا بعد يا بشر !!!! هل نظل نبكي دموعا بل ودما علي كل فاجعة نراها تحدث !!!!!!!!! وماذا بعد يا من تسفك دماء المصريين بدماء باردة كالثلج !!!!!! وماذا بعد يا من تحكم مصر بغير رضا معظم المصريين !!!! وماذا بعد يا من أنتخبوكم البشر الغلبان المتواكل علي أساس أنكم ستطبقون شرع الله وياليتكم طبقتموه !!!!!!!!!!! أنا مسيحي وأفتخر ولكن ما الذي فعله المتأسلمين والإسلام عنهم بعيد كبعد المشرق عن المغرب !!!! أيوه هم هكذا وهذا ليس لأنني أكرهم فما كرهت أحد لأجل دينه في حياتي ولن أفعل !!!! ولكنني أريد ممن يطلقون علي أنفسهم إسلاميين أن يتمثلوا بقدوتهم ومثلهم فهل كان يرضي النبي أن يموت في شعبه مئات البشر وهو يتفرج عليهم !!! هل كان عمر بن الخطاب ( الفاروق ) الذي قال لو عثرت دابة ( حمارة هه حمارة ) في العراق ( هه في العراق ) لكان يسأل الفاروق عنها !!!! هذا ما نريده من اللذين يطلقون علي أنفسهم إسلاميين !!!!! نريد شفافية نريد مجاراة طموح من أنتخبوكم وهم واهمون أنكم كسلفكم !!!! عادلون طامحون للخير سباقين به عطوفين علي المساكين ومعظم المصريين الأن مساكين وفقراء !!! أم تفرغتم لحصد ثمار ما كنتم تعملون عليه طوال ثمانون عاما وهو الوصول للسلطة وكأنها غاية الغايات !!!!!!! هل لا تعلمون أن الأعمار بيد الله هل تعلمون أن الله إختارك في هذا المنصب لتنصر المظلوم وتوقف الظالم عن ظلمه !!!!!! مش تتفق مع العسكر علي شعب مصر الغلبان ؟؟؟؟!!!!! أقول لكل اللذين يطيرون الدخان ليعموا البشر عن الحقائق !!! قبل أن يطير الدخان أعلم أن حياتك أنت مثل دخان !!!!! يظهر قليلا ثم يضمحل فهل رتبت ليوم إضمحلال دخانك هل عملت ما عليك !!!! أخواني المصريين عم الخال جلال رجل لم تأتي به الأيام عبثا ولكن هو نور يأتي من بعيد ليضيء لك ولي ظلمة نعيش فيها وليس من خصاله أن يمسك بيدك لتتخطي وعورة الطريق فهو ينير فقط وعليك أنت أن تستعمل عيناك ورجلاك ويداك وحواسك وأصدقائك لنتخطي جميعا وعورة الطريق والله الموفق !!!!!!!!!! قول يارب يا خال وتحيا مصر ياعم !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

أخت أنس: أخويا كتب وصيته من أسبوع



  كتب   حنان شمردل    ٥/ ٢/ ٢٠١٢
أنس محيى الدين
«كم أتمنى أن أسمع خبر وفاتى وأنا حى كى أرى العيون التى ستبكى علىَّ».. تلك هى الأمنية التى كتبها الشهيد أنس محيى الدين «١٥ عاما» على صفحته على موقع «فيس بوك» يوم ٢٥ ديسمبر الماضى، وكأنه كان على علم بأن ما تبقى من عمره هو أيام قليلة، وأن خبر وفاته سيبكى العالم كله. «أنس» ضحية أحداث بورسعيد، كان يحلم بأن يصبح واحدا من لاعبى كرة القدم، وكانت الابتسامة لا تفارق وجهه وكل صوره التى تركها على «فيس بوك» وفى ألبومه الخاص تشهد على ذلك. بصوت مبحوح ضعيف يملؤه الحزن، سردت آية، شقيقة أنس قصة حياته الصغيرة، التى لم يمهله القدر لاستكمالها قائلة: «أنس كان يعشق كرة القدم وكان فى أكاديمية الأهلى وخرج منها بعد زيادة وزنه وإصابته بحساسية فى الصدر، ثم التحق بالألتراس الأهلاوى، وكان يسافر مع الأهلى فى كل مباراياته، وكانت آخرها رحلة بورسعيد التى سافر فيها حاملا علم النادى الأهلى وعاد ملفوفا فى كفنه».
يوم الحادث مرت لحظات مريرة على أسرة أنس، فالكل رفع يديه إلى السماء وكان الدعاء الموحد: «يا رب يكون أنس واحد من المصابين»، فذلك هو القضاء الأخف الذى يرجونه ولكن بعد لحظات علمت الأسرة بوفاة ابنها الأصغر.. ومن هنا بدأ الصراخ والعويل.
وأضافت آية: «اتصلنا بأنس فرد علينا أمين شرطة وقال لنا: (التليفون ده لقيته واقع وصاحبه مش موجود)، وبعد وصول المصابين والشهداء فى المطار دورنا فى الأول بين المصابين مالقينهوش وطلعنا على مشرحة زينهم فوجدنا جثته وسط العديد من الجثث». وتابعت: «لم نستطع التماسك أمام رؤية جثته، وأصيبت والدتى بصدمة شديدة، خاصة أنها كانت فى دبى ولم تكن تعرف خبر أحداث بورسعيد».
شارك أنس فى الثورة منذ اندلاعها وفى يوم ٢٤ يناير أرسل sms إلى أحد أصدقائه كتب فيها وصيته، وهو تصرف أدهش صديقه وكل من قرأ الرسالة، قال أنس فى رسالته: «أعلن وصيتى.. فى حالة وفاتى عاوز الآتى: أن يتم لفى فى علم مصر، أن يتم تشييع جنازتى فى ميدان التحرير والناس تصلى علىَّ فى الميدان، ويتم التبرع بقرنيتى عينىَّ لمصابى الثورة، وباقى أطراف جسمى لمصابى الثورة أو لأى حد عاوز أطراف»، وقالت آية: «أنس فعلا كتب وصيته لواحد صاحبه وقالها فى ميدان التحرير أثناء تواجده فى المظاهرات، وكان يتمنى حتى بعد وفاته أن يكون سبباً فى فرحة ناس كتير».

السبت، 4 فبراير 2012

الملك فؤاد.. وأوهام الخلافة بقلم د. رفعت السعيد ٤/ ٢/ ٢٠١٢


وكما كانت الخلافة الأخيرة تركية فقد انتهت على أياد تركية. وأعلن كمال أتاتورك إسقاط دولة الخلافة، ونفى الخليفة إلى منطقة نائية وينهض ولى الدين يكن، أحد أشهر دعاة الليبرالية فى مصر، وهو تركى الأصل، هاتفاً:
سلاما أيها النافى الرعايا ولا تجزع فخالقهم نفاكا
وما أنا شامت بك حين تبكى كمن شمتوا ولكن ذا بذاكا
وبالمقابل اجتمع بعض علماء الأزهر وأصدروا بياناً يؤكدون فيه «بطلان ما قام به الكماليون لأن الخليفة قد بويع من المسلمين ولا يمكن خلعه» «محمد حسين- الاتجاهات الوطنية فى الأدب المعاصر- الجزء الأول- صـ٤٧».
ويرد عليهم شوقى شعراً:
مضت الخلافة والإمام فهل مضى
ما كان بين الله والعباد
والله ما نسى الشهادة حاضر
فى المسلمين ولا تردد شادى
والصوم باق والصلاة مقامة
والحج ينشط فى عناق الحادى
وكان موقع الخلافة الخالى قد أسال لعاب الكثيرين ومنهم ملك الأفغان أمان الله، وملك الحجاز حسين بن على، لكن الملك فؤاد قرر أن يكون الخليفة، فنسى الشيوخ الغاضبين من خلع الخليفة غضبهم، وقاموا بالدعوة لتنصيب الملك فؤاد خليفة وقرروا دعوة ممثلى جميع الأمم الإسلامية إلى مؤتمر يعقد فى القاهرة برئاسة شيخ الأزهر للبحث فيمن تسند له الخلافة ومكان وجوده، وحددوا شهر شعبان من العام التالى لانعقاده» (المنار- مجلد ٢٥- ١٩ شعبان ١٣٤٢هـ- ٢٥ مارس ١٩٢٤)، وتمضى عجلة الإعداد للمؤتمر مدعومة من القصر والأزهر وفى ربيع أول ١٣٤٣هـ (أكتوبر ١٩٢٤) تصدر نشرة باسم «المؤتمر» مهمتها الترويج لمؤتمر الخلافة، ويكتب الشيخ رشيد رضا فى صدر العدد الأول قائلاً «إن المؤتمر سيضم علماء الدين والدنيا من كل الأمم الإسلامية، خاصة أن مهمته هى وضع قواعد للحكومة الإسلامية المدنية، التى يظهر فيها علو التشريع الاسلامى، واختيار خليفة وإمام للمسلمين». لكن المعادين للخلافة كانوا كثيرين فسعد زغلول رئيس الوزراء رفض الفكرة، وحلفاء الملك سياسياً من خصوم الوفد وهم «الأحرار الدستوريين» عارضوها وتكتب جريدتهم السياسة «إن الدستور ينص على أنه لا يجوز للملك أن يتولى مع ملك مصر أمور دولة أخرى بغير رضاء البرلمان، ومن ثم يتعين ترك هذه المسألة للسياسيين، وأن يكف علماء الأزهر عن دعوتهم» (السياسة- مارس ١٩٢٦)، وبرزت مطامع ملوك وأمراء لدول إسلامية ترفض تولى فؤاد، ويطلب كل منهم أن يكون خليفة. ثم ينهض شيخ أزهرى هو الشيخ على عبد الرازق ليكتب مقالاً فى السياسة يقول فيه «كانت مسألة الخلافة أولاً دفاعاً عن مقام معين يراد الاحتفاظ به كأثر يحتاج إلى العناية وكمريض يحتاج إلى الرعاية، لكن المسألة انتقلت إلى وضع آخر، واتجه الرأى إلى العمل لإيجاد مقام جديد، لأن أناساً يريدون أن يبقى فى الوجود ذلك الشىء» (السياسة- المرجع السابق). وهاجمت الصحف الوفدية المؤتمر الذى كان انعقاده إشهاراً لوفاة فكرة الخلافة، فالحضور هزيل والنتائج هزيلة، وفشل الملك فؤاد فى تحقيق طموحه. لكن البعض كان يظل ملحاً على فكرة الخلافة، وكان الشيخ على عبدالرازق، عضو هيئة كبار العلماء وهو ليبرالى الموقف، قد أصدر كتابه الشهير «الإسلام وأصول الحكم»، الذى بدد فيه كل دعاوى أصحاب دعوة الخلافة ونقرأ فى الكتاب «الحكم والحكومة والقضاء والإدارة ومراكز الدولة هى جميعاً خطط دنيوية صرفة لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها وإنما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة» «صـ١٠٢» ويقول «إذا كان فى الدنيا شىء يدفع المرء إلى الاستبداد والظلم ويسهل عليه العدوان والبغى، فهو مقام الخلافة الذى معه لا شىء إلا العسف ولا حكم إلا السيف» «صـ٢٨» ويقول «إن شعائر الله تعالى ومظاهر دينه الكريم لا تتوقف على ذلك النوع من الحكومة الذى يسميه البعض (خلافة) و(خلفاء) فليس من حاجة إلى تلك الخلافة فى أمور ديننا ولا لأمور دنيانا .. فإنما كانت الخلافة ولم تزل نكبة على الإسلام والمسلمين، وينبوع شر وفساد» «صـ٣٦». وقامت الدنيا ولم تقعد ضد الكتاب والكاتب. غضب الملك وغضب معه وله عديد من شيوخ الأزهر، وكتب رشيد رضا محرضاً «لا يجوز لمشيخة الأزهر أن تسكت عن هذا الكتاب لئلا يقول صاحبه وأنصاره إن سكوتهم عنهم إجازة له، أو عجز عن الرد عليه» «المنار- ٢١يونيو ١٩٢٥» وسريعاً يصدر الشيخ الخضر حسين كتاباً بعنوان «نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم» وأهداه دون تردد إلى «حضرة صاحب الجلالة فؤاد الأول ملك مصر الأعظم طالباً منه حماية الشريعة بالحجة والحسام». وجاء الحسام عبر هيئة كبار العلماء بالأزهر التى استدعت المؤلف وحاكمته وصدر حكمها فى ١٢ أغسطس وقررت «نزع شهادة العالمية منه ومحو اسمه من سجلات الأزهر وطرده من كل وظيفة، لعدم أهليته للقيام بأى وظيفة دينية أو غير دينية»، وأسرع شيخ الأزهر ليبرق للملك بالحكم «شاكراً له غيرته على الدين من عبث العابثين وإلحاد الملحدين وحفظ كرامة العلم والعلماء».
لكن القصة لم تنته، ففى عام ١٩٤٧ كان حزب الأحرار الدستوريين شريكاً قوياً فى الحكومة، وكان يرغب فى تعيين الشيخ عبد الرازق وزيراً، وبناء على أمر الدكتور محمد حسين هيكل اجتمعت هيئة كبار العلماء ومعها المجلس الأعلى للأزهر فى ٢٥ فبراير ١٩٤٧ ووجهوا رسالة للملك فاروق جاء فيها «إن المجتمعين يلتمسون من جلالة الملك وفضله غزير على الأزهر والأزهريين أن يتفضل فيعفو عن الأثر المترتب على الحكم الذى أصدرته هيئة كبار العلماء منذ ٢٢ عاماً»، وقبل الملك الالتماس وصدر مرسوم ملكى فى ٣ مارس ١٩٤٧ بتعيين الشيخ عبد الرازق وزيراً للأوقاف.
ونتأمل الحكاية كيف بدأت بأطماع ملك كان الأزهر وقودها، ثم انتهت بمرسوم ملك أراد مجاملة حكومة أقلية وكان الأزهر وقودها أيضاً.
لكن موضوع الخلافة يظل على الدوام محل خلاف مادام وُجِد له وقود من قوى متشددة ومتطرفة، ويتطاير شراره الآن بدعاوى بعض القوى السلفية وهو ما دفعنا إلى هذه الكتابة.

هل سرقتنا السكِّينة؟ بقلم مفيد فوزى ٤/ ٢/ ٢٠١٢


«والله السكِّينة سارقانا»! مثل عامى من أحشاء مصر، نعبر به عن أنفسنا حين تأخذنا الجلالة ونكاد نقترب من النجوم، وتضعف رؤيتنا ولا نرى ولا نسمع سوى أنفسنا، متلذذين بصدى أصواتنا، ونغتال كل شىء من حولنا! تسقط المعايير فى بالوعة، ونلقى بالأحجار على القيم، ونهيل التراب على الأمانة فى القصد، لست أدرى مدى أفق العقول التى تستقبل كلماتى، ولكنى مصمم على طرح ما يختلج فى صدرى، ولا أدعى الكمال، لكننى أقاوم التحجر فى الرأى والعناد المميت لوجهة نظرى، فأسمح لنسمات آراء أخرى، ربما أنضج، أن تدخل رئة الحوار، هذه هى المهنية وهى ليست الفهلوة ولا اللعب على أوتار الضعف، إنما هى الامتلاك الكامل للأدوات، إنى أرثى لزمن تضاءلت فيه مساحة المهنية، وتفوقت عليها السوقية، الأصوات العالية تصم الآذان، وتجعلنا مائة نتحدث فى وقت واحد! فلم يسمع أحدنا الآخر! وصرنا مجرد «ظاهرة صوتية»، كما اتهم الغرب العرب يوماً.
المهنية هى تجمع خبرات ومهارات داخل عقل باتساع الأفق، عقل لا يضيق بأفكار الآخر، ويصغى له، المهنية هى ثقة بالنفس تولد احتراماً للقدرات الذاتية والموهبة الإلهية، فللأقلام كاريزما، وللوجوه كاريزما، و«المحرومون من هذه النعمة» يحاولون إقناعنا، دون جدوى، فيلجأون إلى ضرب الكلوبات متخيلين أنها الثورة، وهذا غير حقيقى، فالثورات تغير قشرة الأرض وتسقط الأقنعة والأصنام وتقلم الأنانية، وترفع فوق الهامات أعلام العدالة والإنصاف، فإذا غابت هذه الرايات فى ثورة، فكأننا، يا ولدى، استبدلنا ديكتاتورية بأخرى، ومن نافق الأنظمة التى جلست على العرش، يقع فى المحظور وينافق الثوار الجدد.
شىء واحد هو صمام الأمان من النفاق هو «المهنية»، هناك كما يقول ديجول: «نسبة خطأ ما وارد فى أى مشروع»، وقد حدثت أخطاء فى الإعلام المصرى، الذى تربى فى حضن زمن شمولى عريق مر بثلاثة عهود، فمن الطبيعى أن يكون خروجه من جلده بطيئاً، وعام كامل لا يكفى لمحو جينات ٦٠ عاماً من «إعلام حكومى»، الجميع بلا استثناء عاشوا هذه الأزمنة، والجميع كانوا «أحجار فوق رقعة الشطرنج»، على حد عنوان كتاب مترجم، وليس إنصافاً هذه الهجمة الشرسة على الشاشة المصرية، رغم أخطاء واردة، لأنها شاشة مصر، وتدفع بالملاليم وليس بالملايين، لكنها تعبير عن مصر، بلا أموال لها رائحة.
لقد عشت عصر «القائمة» الممنوعة من الظهور على الشاشات، الآن وعبر شهور الثورة المنصرمة ليس هناك قوائم ممنوعة، وعشت عصر «البرامج الملغاة» تماما بعد تسجيلها فى الهزيع الأخير من الليل، وكانت الذرائع جاهزة، الآن لا برامج تلغى، ولا أسماء ممنوعة، تبقى قدرات من يتصدون للحوار وهى قدرات متفاوتة، أغلبها خرج من الركن والظل وهى حاملة لميكروب الشمولية، ولكنها قابلة للعلاج بعنصر الموهبة فقط، إن التليفزيون المصرى تخلى عن الصحفيين، أقدر من يبحث ويتصل ويعد البرامج فى قرار متسرع، وقد ظهر جلياً فقر البرامج من الجهد المبذول، بينما ذهب هؤلاء إلى الإعلام الخاص، وتقاضوا أضعاف ما يدفع لهم التليفزيون المصرى، فهل كان القرار حكيماً حين جردنا المذيعين من عنصر المعلومات؟ كانت «السكِّينة سارقانا»! بعض الثوار لا يظهر فى الشاشة المصرية بدعوى أنها تعادى الثورة، ولا تشتم العسكر، فهل هذا إنصاف؟!
 وهل ظهورهم على الشاشات «الأخرى» هو الحلال وما عداه حرام؟! أفهم أن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، والثورة ماضية والجبناء يمتنعون، ولكن لفوضى الأفكار سقف، من المهم أن نحمى بعقولنا مؤسسات الوطن، قبل سرقتها، إذا كانت هناك أخطاء فى هذه المؤسسات نصلح موتوراتها، فتنطلق فقط بالكفاءات، لا النشطاء، لا تجعلوا مؤسسات الوطن تغرق، أنا لا أصادر عواطف الشباب وحرارتها، ولكنها ليست قنديل ضوء، بل لها سمات الريح التى تغرق السفن، أعترف بأنى «مش مطمن»، فلهذه الطمأنينة إشارات ليس من بينها أن يحكم الرصاص المدينة من هو متفائل فليرمنى بقطرة، وسوف أضرب عن رؤية برامج «السخونة البذيئة» وأحتفظ بعقلى، البقية الباقية من عقلى! وأتساءل، كناس مصر: هل سرقتنا السكِّينة؟

الجمعة، 3 فبراير 2012

العيب فينا وفى حبيبنا.. أما الوطن يا عينى عليه بقلم حنان مفيد فوزى ٣/ ٢/ ٢٠١٢


على طريقة البرادعى أعلن تراجعى عن ترشح الأحداث الراهنة كمادة لمقالى، فلن أخوض سباق التعليقات - مترامية الأطراف، ولن أشارك صفوف الصيحات المحذرة منها أو المدبرة لها أو المتوافقة معها أو المستفسرة عنها، وحتماً سأتهم بأنى خارج نطاق خدمة المشاركة والتفاعل.
فليكن، أصلاً كل الذى حاصل وبيحصل وهيحصل مرفوع مؤقتاً من التاريخ لحين عودة شبكة الوحدة الوطنية القومية تحت سقف مصر بين الكتل المتناثرة، لأن الشبكة وقعت والخطوط انقطعت كما فى ٢٨ يناير اللى فات، والذى كان بالأمر المباشر الفاسد، أما اللى جاى بالفعل المضارع المتخاذل والعيب فينا وفى حبيبنا أما الوطن يا عينى عليه، محاصر بدراما تركية عنيفة من نوع العشق الممنوع بكل ملابساته والتباساته، لقد بدأنا موسم العرض الرمضانى حصرياً على جميع الجبهات الترددية قبل قيام الموزعين المعتمدين بعمليات بيع وشراء الأعمال بسبعة أشهر، والصراحة راحة واحنا مابنعرفش لأن الحكاية دى عايزة ناس خبرة، والحقيقة قطاع الإنتاج فى مصرنا مايتوصاش وجاهز بالتمويل لكل الرغبات التخريبية ومعاه شركات الإعلان الله يباركلها حاضرة بالدعاية لكل الأغراض التحريضية، ولو انت قاعد على إيدك اليمين هتلاقى الديكورات منصوبة ومرنة فى التباديل والتوافيق على حسب المشهد المنسوج، أما لو انت قاعد على إيدك الشمال هتلاقى الاستوديوهات مفتوحة لتصوير الليل/ الداخلى وتقرير النهار/ الخارجى، مع امتثال المراسلين للدواعى الأمنية واتفرج يا سلام على أعراض انسحاب الجبهة الحرة من رئاسة دولة ظاظا العظمى.
وفى محطة تانية، شاهد مباراة الوفاق الوطنى بين فريقى النور السلفى والحرية والعدالة الإخوانى فى دورى الألعاب البرلمانية، وعلى قمر صناعى تالت اندمج مع محاكمات القرن الهزلية بصرف النظر عن المط والتطويل فى الحلقات والأجزاء واختم الثورة.. عفواً أقصد السهرة بالبث التجريبى لإقليم الدلتا، حيث البرنامج الوثائقى «فى مثل هذا اليوم» عن الفيلم التسجيلى «تسلم وتسليم المجلس للسلطة فى مائة عام» وابقى قابلنى لو فهمت حاجة من سيناريوهات الانسحاب والتحالف والمحاكمة والتحقيق مع الثوار بتهمة التواطؤ وجمع حق الشهداء اللى انكسر حقهم، ومقايضة «سلمنى نضيف أسلمك نضيف»، نحن فى بحر الظلمات يا لطيف اللطف يا رب،
الأفكار تناقض الأقوال تصارع الأفعال ولا شىء محدداً بتاتاً ألبتة، فإذا طُرحت آراء بناءة من طرف مستنير مثلاً تليها على الفور أقوال هدامة من فكر متحزب تتخللها على ودنه أفعال طامعة لجهة ثالثة، يعقبها فى السريع ترتيب رابع يُعد خلف الأبواب المغلقة من قِبل أشباح يخالف ما سبق كله، ادينى عقلك يا غالى يابو عيالى، ماذا أقول وأى شىء يقال بعد كل ما قيل، ومعظم الاجتهادات نظرية بحتة لا تشبه الحق ولا حتى ابن عمه، إنما جهود المحركين لبواطن الأمور وقائعها منظمة شغل المعلم لابنه، حاجة كده تشطيب لوكس ع المفتاح، لقد أوصلونا إلى مرحلة إحباط عام أجهضوا أحلامنا فى شهورها الأولى، دفعونا لأن نقول اللى عايز يسرق ربيعنا الثورى بالسم الهارى يطفحه، واللى هياخد براءة فى ستين داهية يغور، بس نخلص، وحالة التقشف فى المطالب التى تصاحبنا هذه سببها أنه فى الأزمنة السابقة كان هناك غطاء حماية وضمان للفساد، إنما المحزن الآن أنه لا حماية ولا ضمان للإصلاح.
بكل أسف أعراض الخلط بدأت بإصدار قوانين دون توافق وطنى وانتهت بالصفقات بين المنتفعين وإن كان عاجب، والمحصلة كانت مزيجاً من الارتباك والفرقة والتفكك بين أبناء الوطن الواحد، ومن خلالها نجح مخطط الطائفية، ليكون عنوان مصر من إخوان وسلفيين وليبراليين وأقباط وثوار وغالبية ملتحفة بالكنبة، ثم عشوائيين لا ليهم فى الطور ولا فى الطحين، نتصارع كالإخوة الأعداء على طريقة ميكافيللى لنيل مركز واحد ومقام واحد ومكانة واحدة وكأن الحياة انحصرت، بل اختصرت فى هدف واحد بعينه، وهذه الأهداف هى شهوات انتهازية بالدرجة الأولى ستحولنا إما إلى معتدين نسخّر البشر ونستثمر الظروف ونقتنص الفرص لإعلاء مصالحنا أو إلى متسولين نتجرع المهانة والذل والعوز لسد احتياجاتنا، وفى الحالتين أنظارنا ومسامعنا تتجه نحو الخارج، والخارج هنا ليس المقصود به دول العالم الأول، الخارج فى مخيلاتنا معنى مطلق يمثل كل ما هو ليس فى متناول أيدينا قد يكون عصا سحرية نحلم بأن تنتشلنا من هذا اليوم، أو كناية عن مهدى ننتظره ليحررنا من قبضة الأسياد. الخلاصة أننا دائمو الوقوع فى مصيدة البحث عن الدليل البعيد.. عن الأيادى الخفية.. عن الطرف الثالث، وهكذا.
وهذا يذكرنى بجدتى حين سقطت منها إبرة الخياطة ذات يوم، فذهبت للبحث عنها فى الحديقة خارج حدود منزلنا، بينما هى فى الداخل تختبئ فى أحد الأركان الجانبية، وحين أخبرتها باندهاشى لتصرفها الغريب والعنيد قالت لى يا ابنتى أنا أتبع النموذج السائد عند البشر، فإذا فقدوا الغالى والثمين بحثوا عنه فى الخارج، بينما هو يحيا بالداخل فى قلوبهم.. يا ترى حد فهم المعنى اللى فى بطن الحوت؟! يا نهار ملوش آخر هو أنا مش كنت أعلنت فى بداية المقال أنى تراجعت عن الكتابة أو التعليق على الأحداث الراهنة وأقسمت وحياة خالتى، مع إنى ماليش خالة، بأنى لن أشارك ولن أتفاعل وليكن ما يكون، أُمال إيه اللى جر رجلى فى سكة الندامة تانى؟!.. صحيح كلام عيال.

من موقعة الجلابية لموقعة البمبوطية بقلم خالد منتصر ٣/ ٢/ ٢٠١٢


ما حدث فى بورسعيد يدعو للتشاؤم والحزن والغضب، أكثر من سبعين قتيلاً بسبب ماتش كورة، والعجيب أن ما حدث هو من فرط الفرحة وليس من فرط الزعل!! ففريق المصرى فائز على فريق الأهلى بنتيجة لم تحدث من قبل، والمفروض أن هذا كاف جداً لأن يخرج الأهلى من الملعب مغموراً بإحساس الهزيمة، وفى هذا منتهى الغيظ إذا كانت الرياضة تقاس بالغيظ! ولكن ما حدث بعد المباراة شىء يخجل منه كل مصرى ويجعل كل عاقل كانت لديه ذرة تفاؤل أن يكفر بأى إصلاح، لأن الإصلاح جوهره وأساسه بشر، وسيقول لنفسه إن من خرج فى يناير هم كريمة المجتمع وللأسف هم الأقلية، أما الأغلبية فهم من يقطعون الطرق ويوقفون القطارات ويقتحمون ملاعب الكرة.
مرت موقعة الجلابية يوم الزمالك والأفريقى التونسى كطرفة ونكتة وعلى سبيل الهزار، وأرجعنا تلك المهزلة إلى الانفلات الأمنى وغياب الشرطة وحالة الفورة التى أعقبت الثورة، ولكن موقعة بورسعيد، التى تعدى عدد ضحاياها قتلى قصف العدوان الثلاثى، موقعة كتبت بلون الدم والأشلاء والجثث، تحولت فيها غرفة خلع الملابس إلى مشرحة وغرفة عمليات وحجرة تكفين وغسل! وكل هذا من أجل كرة القدم التى من المفترض أنها رياضة ترقى الروح وتغسل الوجدان وتهذب الأخلاق.
القضية صارت ثأراً لن ينتهى، ألتراس ضد ألتراس، والشرطة مرتعشة، وعقلية القطيع تسيطر على الوعى الجمعى، ما إن يتحرك واحد ويشعل الفتيل حتى ينساق الكل وراءه، الأعصاب عارية والأمن ترك البطش، وهذا جميل ومطلوب، ولكنه ترك معه أيضاً القوة، والتخلى عنها مرفوض، وترك الهيبة أو بيعها غير مقبول، وأصبح الخوف والتخوين والفزع شعار المرحلة.
همجية وبربرية وعدوانية ظللت الملعب، مشهد الجماهير وهى تعدو نحو اللاعبين والجهاز الفنى تريد افتراسهم يزرع فيك إحساس المهانة والخزى والعار بأنه مازال لدينا من ينتمى إلى زمن الغابة وقانون الأحراش، هناك شغب ملاعب فى كل الدنيا، ولكنه ليس مخلوطاً بغريزة الانتقام من لاعبين بأعينهم والرغبة فى قتلهم، وليس ممتزجاً بتلك الفوضى العارمة واليد الأمنية المرتخية والإحساس العارم بالثأر، إنهم ليسوا جماهير من السكارى فاقدى الوعى مثل مشاغبى أوروبا، لكنهم فى منتهى الوعى بما يفعلون، وتلك هى المصيبة والكارثة التى تدعونى للتشاؤم والحزن واليأس من تلك التركة الثقيلة من الأخلاقيات العشوائية والسلوكيات المتردية التى تركها لنا مبارك وحاشيته، كنت أشاهد ماتشات الأبيض والأسود منذ فترة قليلة ومنها ماتش الزمالك وويستهام الشهير، شاهدت الجماهير على الخط بجانب اللاعبين وفى منتهى الاحترام والأدب، لم أشاهد جندى أمن مركزى، لم أشاهد المتاريس والقلاع وعربات اللاعبين التى تخرج فى حماية الشرطة وزجاجها كله مكسور، شاهدت جمهوراً مثل جمهور حفلات أم كلثوم، أنا لست من عبدة الماضى ومقدسى زمن الأبيض والأسود، ولكنى أتساءل فقط، ومن حق أبنائى أن يعيشوا زمن الألوان، ولكنها ألوان البهجة لا ألوان الدم والثأر والموت.

الرئيس أولاً بقلم محمد سلماوى ٣/ ٢/ ٢٠١٢


حسبنا الله ونعم الوكيل بقلم إسعاد يونس ٣/ ٢/ ٢٠١٢


■ هو مين حسنى مبارك ده؟؟.. ومين صفوت الشريف؟؟.. ومين عز ومين وز ومين ومين.. مين دول قدام شعب مصر ومستقبلها وأمانها؟؟.. مين الشلة الموضوعة فى كفة والبلد فى الكفة التانية؟؟.. مين ده اللى بيتنقل فى طيارة ممنوع تصويرها وسيارة إسعاف بتعمل أربع مشاوير فى الجلسة الواحدة واحنا بنكاكى على ما يسأل فى أهالينا استقبال طوارئ فى مستشفى ولاَّ مستوصف.. مين السجناء دول اللى كل سجين مصروفله عربية لوحده يروح بيها السجن ويرجع بيها.. مين اللى محاكماتهم محظور نشرها ولا احنا عارفين تطوراتها إيه وقاعدين نضرب أخماس فى أسداس؟؟.. فين محاكمة موقعة الجمل؟؟..
مين المدام اللى مسرّحة شوية ناس ولاؤهم ليها بحكم المستندات والأفلام المتصورة فى غرف النوم والتواليتات ووصولات الأمانة وتحويلات البنوك والعك الأزلى اللى كان واخد براحه فى البلد دى.. فين الباشا صفوت الشريف؟؟.. متنيل متشال على جنب ليه وفين محاكماته وإيه أخباره؟؟.. إشمعنى يوسف بطرس غالى ينطس تلاتين سنة سجن فى قضية نمر عربيات واللى خربوها ومازالوا يخربونها قاعدين منعمين يحصلون على رعاية وحماية لم يحصل عليها لا أعظم الشرفاء ولا أعتى المجرمين.. إيه الليلة السودة دى؟؟.. بتحموهم من مين؟؟.. من الشعب؟؟.. وهل الثمن يساوى انقلاب الشعب عليكم؟؟.. وهل الشعب يقاس بأى ثمن فى الدنيا؟؟
■ انتوا عايزين إيه مننا بالظبط؟؟.. أنتم.. نعم أنتم.. جنرالات المجلس العسكرى.. ماذا تريدون من شعب مصر بالتحديد؟؟.. أنا التى أسأل.. أنا المواطنة البسيطة التى طالما عبرت عن جل احترامها للمجلس الأعلى للقوات المسلحة الباسلة.. هكذا كنت أناديه وأصر على عدم توجيه أى اتهامات أو إهانات له وكنت أستكبرها جدا بحكم نشأتى وتربيتى.. وتحملت من أجل ذلك كل السباب والتحقير وسب الدين كأننى عميلة للمجلس أو بقبض منه تمن ولاء زى المفخّد اللى بيقبضه بعضهم.. وأنا الآن التى أسأل وغيرى ملايين.. وآخرتها؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟!!
■ المصيبة أننا أشرنا ونبهنا من قبل آلاف المرات.. ليس بصفتنا أذكياء بنلقطها وهى طايرة، لكن بصفتنا أغبياء وجهلة ومخنا قد النملة.. قلنا إن الكتالوج قديم بالى رث.. وإن كل خطة يتم وضعها لإشاعة الفوضى وخلق الفزّاعات وإرهاب الناس مكشوفة وقديمة وبلدى وناشعة مية معطنة.. فما بالكم بالأذكياء بقى.. وقد يطالبكم البعض بالابتكار والتجديد عشان تخيل علينا حتى.. طب وإيه رأيكم لو من الأول كنا حطينا مصلحة الشعب فى المقدمة.. مش كان يبقى أسهل وأأمن وأشرف وكل المعانى؟؟
■ يا عالم طلع أيمان أبونا تدبيرات ومؤامرات وتخطيطات وتربيطات.. والله قرفنا.. من أول موقعة الجمل واحنا بنتربط فى ساقية مغمضين وبنلف زى الجاموس حوالين علامات الاستفهام الضخمة التى تلتهمنا وتكاد تأتى على آخر ما كنا نؤمن به فى هذا الوطن.. من ساعة فتح السجون وطلق المجرمين علينا.. إلى مهزلة اقتحامات أمن الدولة.. مرورا بحرق الكنائس وتصدير بشر ليست لهم أى صلاحيات ليسيطروا على الجموع، كأنكم تفتقدون أى أهلية أو سلطة أو قوة.. ولا هدوا ولا سيطروا ولا نيلة لكن فاحت رائحة التربيطة والاتفاق فقط.. بدليل استمرار قطع الطريق والإضرابات المجنونة إلى الآن.. وفى السكة تأتى موجات منظمة للبلطجة غير مسبوقة وغير مفهومة ولا تنتمى لسلوك الشعب من أصله.. وشوية حوادث خطف تظهر فيها قوة الداخلية ظهورا مؤقتا ثم فس.. وخد عندك محاكمات عسكرية للمدنيين وخصوصا الثوار.. وعالم بتختفى بالشهور مش عارفين محبوسين فى أنهى داهية.. وأهالى بتتلطم.. ومشكلة شهدا لا تحل بل وتضاف إلى أعدادهم أعداد أخرى.. من أول يوم العيد الصغير وتفضية ميدان التحرير إلى الآن.. مرورا بكل جرائم الميدان ومحمد محمود ومجلس الوزراء.. واصطياد الثوار بعينهم لاغتيالهم.. وطلق جحافل حيوانات مدربة تتصور بالقصد أمام الكاميرات وهى تحرق المنشآت.. وحملة منظمة لبث الكراهية فى الثورة وشبابها.. وتجنيد ناس لهذا الغرض للأسف عرة ويكسفوا فتكون النتائج هزلية ومؤسفة وأكثر ضحالة وخيابة.. وفى النص بقى استفتاء عبيط تنزف فيه الدولة مليارات ويبوظ.. وتعديلات دستوريه فياسكو.. وجيم طويل عريض ولا أجدع جيم بلاى ستيشن على كراسى البرلمان والانتخابات واللى فى القلب فى القلب بقى.. وحتى بعد نجاح التربيطات وتقسيم الفخدة.. تظهر على السطح أشياء مريبة كأن يتم توقيع قانون الانتخابات الرئاسية قبل انعقاد البرلمان الأول بأربعة أيام دون إخبار أحد.. فيقول الناس هما وقعوا فى بعض ولاَّ إيه؟؟..
■ ثم عندما يظهر وزير داخلية فيه الرمق.. تتزامن معه المطالبة بتسليم السلطة والرحيل.. فتتم التضحية به واغتياله معنويا فى شكل انفلات أمنى مصطنع ومكثف.. وإلا.. إيه سر اليونيفورم الموحد الذى يخرج به المجرمون للسطو المسلح ده؟؟ كلهم لابسين جلابية وجاكتة ومتلتمين تلتيمة عربى!!.. مين اللى بيكتب الرسائل العبيطة دى؟؟.. وأخيرا مأساة بورسعيد التى تفوح وتزكم الأنوف رائحة التخلى والخيابة والإهمال منها.. وأقول أخيرا بفعل أنها حدثت ليلة الخميس وأنا جالسة أكتب المقال وأنزف من قلبى وعقلى.. العالم الله أصبح أنا وأهل بلدى نلاقى إيه جد بكرة الصبح.. ٧٣ قتيلاً وألف جريح!!.. ضربة معلم.. مناخ مناسب لتاريخ ملبش بين الأهلى والمصرى.. وفتيل متين.. وموقعة جديدة تضم لسجل المآسى.
■ كووووووووول ده من أجل عيون اللطخ المخلوع ده.. اللطخ اللى ضيع البلد على مدى ثلاثين عاما هو وألاضيشه!!.. أهكذا تزنون الشعب يا سادة؟؟.. الشعب الذى منه أولادكم وأحفادكم وقرايبكم.. والهدف إيه؟؟.. آخرتها يعنى.. إننا نستسلم ونقول خلاص عفا الله عما سلف وأبوك عند أخوك وصافى يالبن؟!.. أظن أنه بعد كل هذه المعاناة معنا.. اتضح لكم أننا لا نسلم.. وأنه حدثت ثورة.. وأنتم اعترفتم بها وبشرعيتها.. وأنكم من أضعتم كل هذا الوقت وأطلقتم علينا من أشاع الأفكار الغريبة والتصريحات الهطلة التى خربت بيتنا جميعا.. وأن حساباتكم دائما قاصرة.. فكل مرة تعتقدون أننا متنا وجيم أوفر تفاجأون بالعكس.. وأنه قد بلغ منا القرف مداه.. عسى الرسالة تصل هذه المرة.. حسبى الله ونعم الوكيل والمجد لشهدائنا.

الخميس، 2 فبراير 2012

الرضيع والأفعى بقلم فريدة الشوباشى ٢/ ٢/ ٢٠١٢

طيور الظلام
لا أدرى لماذا تدفع جماعة الإخوان المسلمين بنفسها فى قلب الأحداث أمام مجلس الشعب بدفع شبابها إلى الصدام مع بعض شباب القوى الثورية المتطرفة التى تحمل فى باطنها من دون الجرأة على الإعلان الدعوة إلى الفوضى وشيوع الانفلات والعبس تحت جنح الليل بمستقبل وأمن بلد بحجم مصر.
كما أننى لا أدرى لماذا تتصدر جماعة الإخوان المسلمين المشهد «كحارس بوابة» للعراك السياسى، وكأنها أصبحت حامية حما المجلس لا لشىء سوى أنها حصلت على الأغلبية داخل البرلمان.. ولا تترك أجهزة الأمن تؤدى دورها فى الدفاع عن المنشآت والمؤسسات العامة، إن قرار دفع الجماعة بشبابها للاصطدام بالشباب المتطرف خاطئ بنسبة كبيرة، لأن حماية المستقبل الديمقراطى من دعاة الفوضى خيار شعب سار بحضارة بالدفع قدماً بتغيير الإدارة الحاكمة فى ثورة يناير ثم أكثر تحضراً عندما شارك بفاعلية منقطعة النظير فى الاستفتاء على التعديلات الدستورية مارس الماضى ثم بالمشاركة فى انتخابات مجلس الشعب التى أفرزت برلماناً حقيقياً معبراً عن إرادة الشعب لأول مرة منذ زمن بعيد.
إن الدعوة إلى رحيل المجلس العسكرى الآن هى دعوة باطلة وجاحدة فى حق الجيش المصرى أولاً الذى أزاح نظاماً عتيداً فى ١٨ يوماً من دون رصاصة اشتباك واحدة، وباطلة وجاحدة أيضاً لأنها ضمان لسلامة وأمن البلاد من كل سوء، كما أن الجيش أعلن أمام العالم تسليم البلاد فى يونيو المقبل سيما ان تسليم السلطة سارى بشكل ممنهج وفق اليات بناء دولة ديمقراطية قائمة على المؤسسية.
إن سر التطرف فى مواجهة المجلس العسكرى كما قلت من قبل هو أن هذه القوى المتطرفة لم تحصل على شىء فى السلطة ولن تحصل، لأنها ببساطة لا تملك أرضاً أو شعبية لدى الشارع.. وخطابها لا يناسب العقلية المصرية، وإنما قد يناسب «الكوبيين» فى الخمسينيات من القرن الماضى وليس «الكوبيين» الحاليين!
.. هؤلاء يريدون الفوضى لأنهم ببساطة لم يحصلوا على شىء من «كعكة» السلطة.. وقد يقول قائل إن الإخوان المسلمين يدافعون الآن عن السلطة لأنهم «حصلوا» على جزء منها.. والجواب نعم.. لأن الأمر ببساطة متعلق بالجماهيرية والشعبية.. الإخوان شاركوا فى الثورة وكانوا أحد أسباب نجاحها لأنهم يملكون رصيداً من الجماهيرية تؤهلهم لأن يكون لهم حق المشاركة فى جزء من الإدارة.. هكذا هى الديمقراطية.
هذه الديمقراطية تقول ببساطة إن الحكم للشعب والإرادة للشعب. والشعب هو الذى يختار والسؤال هو: هل الانتخابات التى أتت بهؤلاء أو غيرهم داخل مجلس الشعب.. والشورى الجارية الان.. مزورة؟! لا يستطيع أحد أن يقول إنها مزورة.. إذن الشعب هو الذى اختار التيار الإسلامى.. قد يكون لنا بعض ملاحظات.. ومخاوف وهواجس وقلاقل.. نعم.. لكن الشعب هو الذى اختار.. وها هى الديمقراطية التى ننشدها جميعاً..
وفى المقابل هل عينت الجماعة نفسها حارسة على المنشآت العامة لكى تدفع بشبابها إلى الصدام مع بعض من هذه القوى «الظلامية» بديلاً عن قوات الأمن الواجب عليها حماية المجلس.. أم أن صاحب قرار دفع شباب الجماعة يريد أن يقول إن هناك وجهة نظر مقابلة لمن يقول إن المجلس «باطل».. هذا التصور خاطئ لأن الناس ببساطة لم تعد تتحمل التصرفات الطائشة لطيور الظلام.. لأن الناس ليس ذنبها أن هؤلاء لا يملكون شعبية.. الشارع موجود.. ومن يرد أن يحصل على أصوات فليذهب إليه ويخاطبه خطاباً يليق بعقيدته وتقاليده لأن المصريين ببساطة ليسوا كولومبيين!
أما «الرضيع» الذى أتحدث عنه فهو فلسطينى من مدينة شفا عمر فى الجليل الأعلى أى فلسطين ٤٨ ـ وهو يبلغ من العمر ثلاثة عشر شهراً، نبتت له بعض الأسنان اللبنية..
أما الأفعى فهى ـ طبعاً ـ إسرائيلية، وقد حاولت عض الرضيع لنشر سمومها فى جسده البض غير أنه فاجأها وفاجأ العالم كله بأن أطبق بأسنانه الصغيرة على رأس هذه الأفعى و«فشفشها»، ولدى إسعاف الرضيع فى أحد مستشفيات حيفا، تبين أن الأفعى لم تتمكن إلا من تفريغ قسط بسيط من سمها فى جسد الصغير، وأنه ولله الحمد لم يؤثر فيه.
استوقفنى الخبر الغريب وربما الذى لم يسبق له نظير فى العالم، وقد نشرته معظم الصحف منذ أيام، ولو لم تقع الحادثة فى فلسطين المحتلة ما صدق أحد أن يقضى رضيع على أفعى!
وتأملت الواقعة، ولكننى لم أجد لها تفسيراً منطقياً سوى أن ما دفع الرضيع إلى مواجهة الأفعى هو أنه لم يتعلم بعد «الخوف» الذى نشأت عليه معظم الأجيال التى رزحت تحت حكم الطغاة المستبدين ومعظمهم خان الوطن وسخر نظامه لخدمة المصالح الأجنبية..
 وعندما «زال» شبح الخوف تمت معاملة الأفعى بندية غريبة، ولذا فقد ماتت هى، وحطم «الرضيع» رأسها، ربما لكونها لم تتصور أن يأتيها الضرب من جانب هذا الكائن الصغير، ولا أن أسنانه «الوليدة» بوسعها تحطيم رأسها، وقد يكون فى الخبر الكثير من الرمزية، وقد يكون أيضاً إشارة إلى أن الخوف قد يزول يوماً، أو أن الأجيال الجديدة لم تعد تعبأ به ولا تدخله فى حساباتها، وهو ما يؤكد أن حقبة جديدة قد بدأت وأن الاعتماد على «الخوف» حماقة قد يدفع المراهنون عليها رؤوسهم ثمناً لها.
 فعلى سبيل المثال: راهن كثيرون من النظام السابق على الخوف وهم حتى الآن لا يفهمون متى سقط منهم سلاح الخوف هذا.. فنحن نعمل كل ما تريده أمريكا وإسرائيل ومن هم فى خدمتهما خشية الدخول فى حروب جديدة!!
وهو ما أدى إلى أن ندفع من مستقبل أبنائنا وأحفادنا أثماناً باهظة دونما أى مقابل، بل على العكس تماماً فنحن لم ننعم باتقاء شر إسرائيل ولا شرور أمريكا يقيناً منهما أننا نموت خوفاً.. وهنا يقفز التساؤل المحير.. هل نحن الكائنات الوحيدة التى يسكنها الخوف؟.. ألا يخاف المعتدون والطامعون؟
 أزعم أنهم يخافون أكثر لأنهم يطمعون فى ثروات وأراضى الآخرين ولكنهم ـ بواسطة العقلاء ـ نجحوا فى زرع الخوف فى قلوبنا على مدى أربعة عقود وأكثر.. ولم يقل أحد إن الخوف ليس غريزة إنسانية، لكنه موجود لدى الآخرين مثلما هو موجود لدينا على أن ينكمش ويزوى ويترك مكانه للمواجهة والجسارة فى مواجهة «العدو» حتى لو كان أفعى تهدد بسمومها.. ويموج المسرح العربى الآن بمشاهد تؤكد أن «الخوف» قد تم تحجيمه بل ربما خنقه حيث كان عائقاً خبيثاً أمام أى رغبة فى التحرر، وأدعوكم إلى قراءة واقعة «الرضيع» الفلسطينى والأفعى.. الإسرائيلية طبعاً!

نهاية الأوطان بقلم نادين البدير ٢/ ٢/ ٢٠١٢


إذا جلس «الإسلام» على عرش الدولة أو القطر وتحول لمسؤول سياسى، فهل تفكر فى انتقاده؟
إذا تحولت الشريعة لقانون، فهل تكفر وتطالب بتغيير بند من قانونها؟
هل تقوى على التظاهر أمام إدارة الحكم وتنادى بإسقاطها؟ يتساءلون: لمن يكون الحكم فى فكر مجالس الثورة الحديثة؟
البعض يقول إن الإخوان متجهون لشريعة الدستور، وأنهم لن يأخذوا بفكرة الحاكمية لسيد قطب، حين صرح القيادى بالإخوان على عبدالفتاح بأن الحاكمية التى قال بها سيد قطب هى للقانون والدستور رأى كثيرون فى ذلك التصريح تراجعاً إخوانياً عن حاكمية قطب. هل هذا الأمر قابل للاستيعاب؟ تخليهم عن أهم أعمدة نشأتهم!
فى أحد البرامج الدينية التى تعلمك كيف تنام وتقوم وكيف تلاطف زوجتك، اتصل مشاهد يشتكى تناقض وتراجع الإخوان والسلف عن حكم الشريعة، فطمأنه الشيخ بأن الدورة الانتخابية ما زالت فى أولها والحكم يكون بعد عدد من الجلسات، ألم تسمعهم يضيفون للقسم عبارة (بما يتفق مع شرع الله)، أكبر دليل على عدم تناقضهم والتزامهم بحكم الشرع.
إذا رجع الإخوان لتقسيم العالم لـ«دار إسلام» و«دار كفر» ولتحكيم الشريعة وللحاكمية (التى تنفى التعددية الفكرية والسياسية وتعادى الديمقراطية، حيث حزب واحد لله وأحزاب أخرى كلها للشيطان وللطاغوت) فى الدول التى صوتت شعوبها لحكم الدين، وفى ظل عدد متلاصق من الحكومات ذات الأغلبية الدينية بمنطقة شمال أفريقيا- فهل تتلاشى الحدود وتعود الخلافة الإسلامية لواجهة المشهد السياسى؟ ولن أقول «العربى» لأن العروبة تتناقص وتضمحل مع تصاعد الإسلامية؟
الخلافة الإسلامية أو الدولة الإسلامية الكبرى قادمة بقوة.
سيقول الليبراليون تلك مبالغة، وأقول ليس هناك داع ليطمئن الليبراليون بعضهم قائلين: دعهم يحكموا وسينهيهم الشعب كما بدأوا. إن لم تحدث معجزة فالمستقبل هو للإخوان، للسلف، للحكم الإسلامى، وما صعود السلف إلا لتوزيع الحصص وتحقيق التوازن بين دويلات الإخوان ودويلات السلف فى ظل راية إسلامية سنية كبرى لكن ماذا بعد الخلافة الإسلامية؟ وبعد الوحدة السياسية والجغرافية.. أين ستصبح حدود القطر العربى؟ هل سنذوب كما أذابتنا العولمة؟
حين طرح مفهوم العولمة احتشدت التظاهرات بين مجتمعات العالم الرافضة للعولمة خوفاً على هوياتها المحلية من أن تذوب فى آلة العالمية، ويتحول الجميع لمجتمع بهوية واحدة. فهل سنحتشد بتظاهرات ضد العولمة المضادة؟ ضد قفز السلف على القطرية والوطنية؟
وما مصير هوياتنا العربية بمجتمعات الإخوان والسلف؟ هل سيكون مطلوباً منا أن نذوب مع الإندونيسيين والماليزيين وسكان تركمانستان وأوزبكستان وآخرين؟
هل ينتهى أخيراً وهم القرن العشرين؟ زيف اسمه الوطن العربى؟ هذا واقع كنا نعايشه (وما زلنا) على المستوى السعودى حين كان مطلوباً منا أن نذوب فى المجتمع الإسلامى نابذين كل أشكال القومية والوطنية، حتى وجدنا أنفسنا فى أراضى الأفغان نشارك فى صناعة الإرهاب وكل أنواع الضياع.
إن كان الإخوان يتبعون نهج الحاكمية وديار الإسلام والكفر فالسلف لا يقلون بغضاً للوطنية.
يرى أحد متطرفيهم أن الوقوف للنشيد الوطنى وثنية ومناف للتوحيد، ويقول زعيم السلفية بالجزائر على فركوس: التركيز على مبدأ الوطنية أمر خطير على عقيدة المسلم وواقعه، فإلى جانب علمانيته فهو مزيح لعقيدة الولاء والبراء الشرعى ومقص لرابطة الأخوة الإيمانية.
أما فى (نقد القومية العربية) للشيخ عبدالعزيز بن باز: «فإن الدعوة إلى (الوطنية) وأخوة المواطنة لا تقل خطورةً عن الدعوة إلى القومية العربية، بل هى أخطر، لما فيها من مزيد تشتيت لجمع المسلمين وتحزيبهم». ومما يستدل به دعاة هذا المذهب حديث «حب الوطن من الإيمان»، وهذا حديث لا أصل له، بل إن حب الوطن أمرٌ غريزى لا يترتب عليه حمدٌ ولا ذم حتى يرى مآل هذه المحبة.
آخر الأحداث ندوة عقدت فى الرياض بعنوان (السلفية منهج شرعى ومطلب وطنى) يوحى عنوانها بمحاولة جامدة لتمدين السلفية بجعلها شرطا للمواطنة، نفهم إذن أن الليبرالى والعلمانى والشيعى والمالكى والبقية هم خارج المواطنة.. مازالت السلفية أممية تتجاوز الوطن.
فى العرف السلفى الوحدة الوطنية مخالفة للإسلام، والقتال من أجل العروبة هو قتال جاهلية.
الفكر الإسلامى كله لا يعرف القطرية، مهما قالوا عن التمسك بالوطن، فالوطنية تتناقض تماماً مع فكرة الدينية، الدينية تنفى الوطنية، الدينية والوطنية لن تجتمعا يوماً، فما مصير حدودنا العربية؟
ومتى سيتقرر لهذه المنطقة أن تهدأ؟
تارة يذيبون حدودها وتارة يفصلونها ويقسمونها ثم يذيبون حدودها من جديد، ونقف أنت وأنا نفكر ونقفز منذ مئات السنين مرة على حدود الخلافة ومرة على حدود الوطن، ألا تعلم أن حبنا ممنوع من عبور أى حدود بأمر إسلامى وطائفى ومذهبى وجمهورى وملكى؟

د.على جمعة مفتى الجمهورية يكتب: التأصيل الحضارى للتشريع الإسلامى: شخصية المفتى


تُعد شخصية المفتى من حيث شروطه وآدابه هى المحطة الأخيرة فى طريق التشريع الإسلامى، فللإفتاء مكانة عظيمة، وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يتولى هذا المنصب فى حياته، باعتبار التبليغ عن الله، وقد تولى هذه المكانة بعد النبى، صلى الله عليه وسلم، أصحابه الكرام، ثم أهل العلم بعدهم، فالمفتى خليفة النبى، صلى الله عليه وسلم، فى أداء وظيفة البيان، وشَبَّه «القرافى» المفتى بالترجمان عن مراد الله تعالى، وهذه الدرجة العالية للإفتاء ينبغى ألا تدفع الناس للإقبال عليه، والإسراع فى ادعاء القدرة عليه، سواء أكان ذلك بحسن نية وهى تحصيل الثواب والفضل، أم بسوء نية كالرياء والرغبة فى التسلط والافتخار بين الناس، فقد ورد عن النبى، صلى الله عليه وسلم، قوله: «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار» (أخرجه الدارمى فى سننه).. وقال صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: «لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وُكلتَ إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أُعِنْتَ عليها» (متفق عليه).
أما عن الشروط الواجب توافرها فى شخصية من يتولى منصب الإفتاء فهى عديدة، أولها الإسلام، فلا تصح فتيا غير المسلمين للمسلمين. وثانيها العقل، فلا تصح فتيا المجنون. وثالثها البلوغ، وهو أن يبلغ من يفتى الحلم من الرجال، والمحيض من النساء، أو يبلغ ١٥ عاماً أيهما أقرب، لأنه لا تصح فتيا الصغير والصغيرة، والشرط الرابع هو العلم، فالإفتاء بغير علم حرام، لأنه يتضمن الكذب على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويتضمن إضلال الناس، وهو من الكبائر.
ويضاف إلى ما سبق شرط التخصص، وهو شرط نضيفه فى هذا العصر، نظراً لطبيعته، ونعنى به أن يكون من يتعرض للإفتاء قد درس الفقه والأصول وقواعد الفقه دراسة مستفيضة، وله دُربة فى ممارسة المسائل وإلمام بالواقع المعيش، ويفضل أن يكون قد نال الدراسات العليا من جامعات معتمدة فى ذلك التخصص، وإن كان هذا الشرط هو مقتضى شرط العلم والاجتهاد، فإن العلم بالفقه والاجتهاد فيه يقتضيان التخصص، ولكن طريقة الوصول إلى هذه الدرجة تحتاج ما ذكر، ولقد اعتبرت التخصص شرطاً منفصلاً رغم اندراجه فى شرط العلم والاجتهاد لحسم حالة الفوضى التى تثار هنا وهناك ممن لم يتخصص فى علم الفقه والأصول، ويعترض ويناظر على فتاوى ما درس مبادئها الفقهية ولا أصولها. (راجع «البحر المحيط» للزركشى، ج٨ ص٣٦٢).
وهناك شرط الاجتهاد، وهو بذل الجهد فى استنباط الحكم الشرعى من الأدلة المعتبرة، وليس المقصود هو أن يبذل العالم جهداً ملاحظاً قبل كل فتوى، وإنما المقصود بلوغ مرتبة الاجتهاد. يضاف إلى ذلك شرط جودة القريحة: ومعنى ذلك أن يكون كثير الإصابة، صحيح الاستنباط، وهذا يحتاج إلى حسن التصور للمسائل، وبقدر ما يستطيع المجتهد أن يتخيل المسائل بقدر ما يعلو اجتهاده، ويفوق أقرانه، فهو يشبه ما يعرف فى دراسات علم النفس بالتصور المبدع. والشرط الأخير هو الفطانة والتيقظ، فيشترط فى المفتى أن يكون فطناً متيقظاً ومنتبهاً بعيداً عن الغفلة.
وهناك بعض الآداب التى يجب أن يتحلى بها المفتى مثل أن يراعى ألا يفتى حال انشغال قلبه بشدة غضب أو فرح أو جوع أو عطش أو إرهاق أو تغير خُلُق، أو كان فى حال نعاس، أو مرض شديد، أو حر مزعج، أو برد مؤلم، أو مدافعة الأخبثين، ونحو ذلك من الحاجات التى تمنع صحة الفكر واستقامة الحُكم، كما عليه الحِفاظ على حسن منظره من نظافة وتطهر، ونقاء سريرته باستحضار النية الصالحة عند الفتيا.
إلا أن من الآداب التى ينبغى أن يتحلى بها المفتى، والتى قد تصل إلى حد الشروط فى أيامنا هذه، التيسير على الناس، وإدخالهم فى دين الله، وإلقاء الستر عليهم، والعمل على جعل الناس متبعين لقول معتبر فى الشرع، فذلك خير لهم من تركهم للدين بالكلية، وإيقاعهم فى الفسق، مما يعد صداً عن سبيل الله من حيث لا يشعر العالم، إذن فالمقصد الأساسى الذى يسعى لتحقيقه المفتى هو إحداث آلية شرعية للتعامل مع التراث الفقهى الإسلامى، بحيث لا تخرج عنه ولا تكون عائقاً للمسلم المعاصر، وأن ذلك لا ينبغى الإنكار عليه لأن الرأى الذى سينتهى إليه محل خلاف، وأساس هذا قاعدة: من ابتلى بشىء مما اختُلِف فيه فليقلد من أجاز.
والتيسير الذى نقصده وتتبع الرخص بشروطه هو ما نقل تعريفه ابن أمير الحاج حيث قال: «أى أخذه من كل منها - أى المذاهب - ما هو الأهون فيما يقع من المسائل (ولا يمنع منه مانع شرعى)»، («التقرير والتحبير شرح التحرير»، لابن أمير الحاج، ج٣ ص٣٥١)، ونستخلص من ذلك أن تتبع الرخص جائز، ولكن بشروط وقيود لا ينبغى إهمالها، وهو مذهب أكثر العلماء، ومن أبرزهم العز بن عبدالسلام، والقرافى، والعطار، وغيرهم من المحققين.
وجاء فى ذلك المعنى نقول أخرى منها قول سفيان الثورى رحمه الله: «إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذى قد اختلف فيه، وأنت ترى غيره فلا تنهه» («حلية الأولياء» ج٦ ص٣٦٨). وقال الإمام أحمد بن حنبل: «لا ينبغى للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه ويشتد عليهم» («الآداب الشرعية» لابن مفلح ج١ ص١٦٦، و«غذاء الألباب» للسفارينى ج١ ص٢٢٣)، وقال الإمام الحنبلى ابن قدامة المقدسى: «وجعل فى سلف هذه الأمة أئمة من الأعلام، مهد بهم قواعد الإسلام، وأوضح بهم مشكلات الأحكام، اتفاقهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة» («المغنى» لابن قدامة، ج١ ص١).
إن التيسير على الناس والترخص لهم لإدخالهم فى الدين خير من التعسير عليهم وإلزامهم بالقول الشديد، لما فى ذلك من مخالفة لمنهج النبى المصطفى، صلى الله عليه وسلم، وسبيل الصالحين من أسلافنا العلماء، ولما فيه أحياناً من صَـدٍ عن سبيل الله سبحانه وتعالى.. رزقنا الله الفهم والإخلاص.

عز الدين فشير فى حوار ساخن لـ«المصري اليوم»: الإخوان «رمانة الميزان» واختيارهم لــ«العسكر» أو الثورة أو السلفيين يحدد نظام الحكم حوار رانيـا بـدوى ٢/ ٢/ ٢٠١٢


تصوير- تحسين بكر

يرى الدكتور عز الدين شكرى فشير، الروائى، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، الدبلوماسى السابق بالخارجية المصرية والأمم المتحدة، أن ثورة ٢٥ يناير «ثقافية» تبدأ الآن، لكنها لم تكتمل بعد وستتوالى أمواجها مثل «تسونامى»، فهى ثورة عميقة فى طريقة التفكير حدثت داخل عقل المواطن، وهو ما يظهر بين جميع التيارات، ومنهم شباب الإخوان والسلفيين الجدد وشباب الثورة. ورغم أن التغيير وضح جليا فى مجموعة الشباب- كونهم العدد الأكبر الممثل لهذا التفكير الجديد- فإن هناك آخرين ينتمون لهذا الفكر، ومن بينهم الدكتور «فشير»، الذى طالب الشباب بتطوير آلياتهم، وألا يذهبوا عكس رغبات حزب الكنبة، وحذر المجلس العسكرى من تهميش قوى الشباب مما قد يدفعهم للتحالف مع الجياع والمهمشين، فتنقلب إلى ثورة جياع وإلى نص الحوار:
■ هل تنبأت أى من رواياتك بما حدث يوم ٢٥ يناير ٢٠١١؟
- لم تتنبأ، بها لكنها كانت تبحث عنها. الروايات الأربع الأولى-مقتل فخرالدين، وأسفار الفراعين، وغرفة العناية المركزة، وأبوعمر المصرى- تتناول حياة أناس يحاولون التعامل مع الانهيار العام فى مصر. بعضهم يقاوم ويحاول التغيير بأساليب مختلفة من الكلمة إلى العنف، وبعضهم يتعايش أو يحاول تجاهل ما يدور حوله، وبعضهم ينغمس بالكامل فى الانهيار. وفى كل الأحوال فإنهم، بمشاعرهم وأحلامهم المحطمة وبصراعاتهم، يشكلون جزءاً من هذا الانهيار. أما رواية: «عناق عند جسر بروكلين» فهى تخرج من هذا الإطار قليلاً، لكنها مازالت تدور حول شخصيات مصرية- كلها موجودة فى أمريكا لسبب ما- تبحث عن نفسها وهويتها فى عالم هارب من انهيار الوضع العام فى مصر. فى كل هذه الروايات هناك سؤال بلا إجابة وهو: أين المخرج مما نحن فيه. ثورة يناير أتت بالإجابة.
■ وكيف حدث هذا؟ ماذا حدث للمصريين فى ٢٥ يناير؟
- ما حدث أن ثقافة جديدة تسللت دون أن يلحظها أحد- وأنا أول المخطئين، وأعلن ذلك، قبل أن أشير إلى خطأ الآخرين.. فأنا أستاذ جامعى وعلى اتصال بالشباب وروائى دائم التأمل فى المجتمع وخصائصه، لكننى لم ألحظ التغيير ولم أتنبأ به إطلاقا.
■ أفهم من ذلك أنك تقر بفشل النخبة؟                             
- دون شك النخبة فاشلة، لأنها لا تريد أن تتغير.. ليس عيبا أو حراما ألا نتنبه لتغيرات بهذا الحجم، لكن العيب أن تظل النخبة تعمل بالفكر والآليات القديمة بعد حدوث التغيير.. أسوأ ما فى النخبة أنها مازالت تردد ما كانت تقوله من ٢٥ سنة وتتبع نفس ممارساتها، بدلاً من أن تقف وتراجع ونفسها.
■ هل تسللت ثقافة التغيير بسبب اطلاع الشباب على العالم الخارجى ووسائل الاتصال الحديثة، أم أن هناك أسبابا أخرى؟
- هناك أسباب أخرى، وهى أن أجيال الثورة ممن ولدت فى السبعينيات والثمانينيات لم تعاصر الاستعمار أو هزيمة ٦٧.. الأجيال التى عاصرت الاستعمار تأثرت شخصيتها وعلاقاتها بالعالم بعقدة الاستعمار، وتولد لديها شعور بالدونية، أما الجيل الذى لم تعاصر الاستعمار فتوقعاته وطموحه أعلى بكثير من الأجيال السابقة، فهو يتساءل: لماذا ليست مصر فى مصاف الدول الكبرى- والأمر نفسه ينطبق على من عاصر هزيمة ٦٧، فهذا الجيل أصابته الهزيمة فى شخصيته، أما شباب هذا اليوم فولد متحررا من عبء الهزيمة والاستعمار.. جيل سريع يركز على الإنجاز ومحدد الأهداف- ثقافة جديدة.
■ لكن رغم نجاح الشباب فى إشعال الثورة أصبحوا بعيدين عن الشارع فى نظر البعض، فكيف يتجاوز الشباب هذه المعضلة؟
- عليهم أن يدركوا أن هذه المرحلة للعمل السياسى وليست مرحلة خراطيم المياه وقنابل الغاز. أنا ضد الاستمرار فى مظاهرات دائمة، فرغم أنها أسقطت مبارك، لكنها لن تقدم لنا دستورا.. لابد أن يستعيد الشباب ثقة الجماهير، لأنه إذا انعزلت الطليعة الثورية عن أغلبية الشعب فستخسر حزب الكنبة وهو حزب مهم لنجاح الثورة..وإذا لم يشعر هؤلاء بأن كلام الثوريين يمس مصالحهم لن يساندوهم وإن لم يساندوهم «هيتاكلوا»، لأن حزب الكنبة يريد التغيير وتحسين الأحوال، لكنه يريد الاستقرار، ويرى فى البرلمان خطوة، لذلك من الذكاء ألا يصطدم الثوار بالبرلمان، أو أن يذهبوا عكس رغبات حزب الكنبة.. فلنعط إجازة للتظاهر ونبحث عن آليات أخرى، وعلى قوى الثورة الانتقال من منهج المطالبة إلى منهج الصياغة.. من قبل كانت المظاهرات تخرج بهتافات تطالب بالحرية، الآن يجب أن تكون قادرة على صياغة رؤيتها للحرية والعدالة الاجتماعية.. وبدلا من أن نطالب بدستور حر علينا أن نضع تصورا لهذا الدستور.. صياغة إيجابية وليس وضع مطالب تنتظر من السلطة تنفيذها.
■ هل كان خطأ الشباب الاكتفاء بالمطالبة وترك آخرين يصوغون البدائل؟
- نعم بكل تأكيد.. على الشباب صياغة البديل ومحاولة بناء توافق حوله بمساعدة منظمات المجتمع المدنى والقوى السياسية الأقرب فى التفكير والنقابات، التى تلعب دورا مهما فى الحياة السياسية، فعلى الشباب الوصول إليهم.
■ إذا انتقلنا إلى نتائج الانتخابات البرلمانية، هل هناك أسباب أخرى غير معلومة لتفوق الإسلاميين بخلاف تغلغلهم لسنوات طويلة فى الشارع وتديّن المجتمع المصرى؟
- توجد قراءتان لما حدث.. الأولى أن هذه الانتخابات تعكس نتيجة الماضى وليس الحاضر، ولو كنا انتظرنا بعض الوقت لحدوث التفاعل مع الثورة وبدء عمل الأحزاب لما كانت النتيجة لصالح الإسلاميين، ولو كنا اتبعنا «الصح» لم يكن الإخوان ليحصلوا على أكثر من ٣٠% من البرلمان.
■ وما «الصح» من وجهة نظرك؟
- الاتفاق على قواعد العمل المتمثلة فى الدستور، وأن نخلق مناخا يسمح بوجود الحرية ويسمح للقوى المختلفة بأن تعبر عن نفسها وألا تنشغل بأمور تهدر طاقاتها.. وكان يجب التركيز على العمل السياسى والتفاعل مع الناس وتشكيل جمعية تأسيسية تمثل كل فئات الشعب لكتابة الدستور. وهناك الرؤية الثانية عن أسباب تفوق الإسلاميين وهى أن المجتمع مازالت لديه مشكلات مع الحداثة لم يحلها بعد، وأن الإسلاميين يعكسون مشكلات الحداثة.
■ هل كان من الممكن تحقيق ذلك فى غضون أشهر حتى ولو طالت؟
- منذ اليوم الأول، وأنا أطالب بألا تقل الفترة الانتقالية عن ٣ سنوات.
■ وهل كان من الممكن القبول باستمرار المجلس العسكرى ٣ سنوات؟
- لا طبعا، ولا توجد مرحلة انتقالية يقودها مجلس عسكرى. الحل كان فى شكل من أشكال المجالس الرئاسية بغض النظر عن مسماه، مع مجلس آخر استشارى وجمعية تأسيسية، على أن يقوم المجلس العسكرى بمهمته الرئيسية وهى حماية الأمن القومى. أما إذا أجرينا انتخابات فور سقوط الديكتاتور، فإن النتائج عادة إما تكون رد فعل لاستمرار حالة الخوف أو رد فعل الواقع القديم لأن نتيجة التصويت تعتمد على المناخ الذى تمر به بشكل كبير.
■ لكن لدينا ميدان التحرير يمكننا النزول فيه وتغيير الوضع إذا لم يتجه إلى الاتجاه الصحيح؟
- وهل نحن نصمم نظاما سياسيا قائما على التمرد والثورة؟ الأصل فى النظام السياسى أن يخلق أطراً لإدارة الصراع السياسى بشكل مستقر وليس أن يتم الصراع خارج أطر النظام.
■ فى أعتى ديمقراطيات العالم السياسى يخشى الحاكم الرأى العام قبل الدستور والقانون؟
- هذا يحدث فى البلاد راسخة الديمقراطية، لوجود قواعد يعبر من خلالها الرأى العام عن نفسه، فلو أننى سياسى فى فرنسا وأغضبت الرأى العام، فأنا أعرف أننى سأخسر الانتخابات المقبلة، أما لو أننى فى دولة غير ديمقراطية وخسرت الرأى العام فسأمنع الانتخابات. فما أطلبه هو أن تكون هناك آليات تسمح للرأى العام بالتعبير عن نفسه بشكل هادئ ومستمر من داخل النظام السياسى، لا أن نصنع نظاما سياسيا قائما على الانفجارات كآلية للتعبير عن الإرادة الشعبية.
■ وهل هذا هو توصيف النظام الحالى؟
- نعم نحن نصنع نظاما سياسيا هشا يمكن أن ينفجر فى أى لحظة لأن القوى التى قامت بالثورة غير ممثلة داخله. لابد أن يفهم الناس أن النظام السياسى نظام أمان لابد أن تكون به فتحات كافية كى تنتظم الماكينة. لكن لو أن البخار يتراكم ولم نصنع له فتحة، فطبيعى أن تنفجر الماكينة، وهذا ليس فى مصلحة أى طرف.
■ ألا تكفى الضمانات المقدمة من القوى السياسية المختلفة كوثائق الحريات ومبادئ الدستور وغيرها؟
- كدارس ومحلل للعلوم السياسية أرى أن هذه ضمانات غير كافية، لكن كمواطن أدرك أننا لا نستطيع الرجوع عن الخطوات التى اتخذت، ومن ثم علينا أن نتعامل مع هذه التصريحات على أنها إعلان حقيقى للنوايا ونذهب للإخوان مثلا ونقول لهم «أنتم قلتم إن لجنة المائة ستكون ممثلة لجميع طوائف المجتمع فلتظهروا لنا ذلك»، أى أن نطالبهم بتنفيذ ما تعهدوا به.
■ وإذا لم ينفذوا ما تعهدوا به؟
- هنا يأتى دور قوى الثورة «اللى قاعدة تجرى فى الشارع ورا نفسها» وتهدر قوتها.. عليها أن تنظم نفسها لأن هناك استحقاقات أولها الدستور، وأن تبدأ النضال من أجل إلزام كل فصيل بتنفيذ ما وعد به.. ويجب عليها أن «تمسك كل شخص وفصيل من لسانه وتطالبه بتنفيذ تعهداته».. نحن قمنا بثورة من أجل الحريات فلتظهر لنا رؤيتك للحريات، هذا نص الحريات العامة كما جاء فى وثائق الأزهر والبرادعى وغيرهما، فلترنا ماذا ستفعل بها؟ فإذا أجاب أن الحريات مكفولة بما لا يخالف شرع الله، يفترض وقتها أن تنزل قوى الثورة الشارع وتقول لهم هذا رد مطاطى ويتحول الأمر إلى نضال.
■ وهل الشباب قادر على هذه المهمة خاصة فى ظل تشرذمهم والقبض على كثير منهم وتشويهم؟
- إذا ركزت قوى الثورة على متطلبات المرحلة التى تبدأ الآن، وليس على متطلبات المرحلة التى انتهت أعتقد أنهم سينجحون.
■ هل تعتقد أن وجود صفقة بين المجلس العسكرى والإخوان سينتج عنها حكم ثنائى لمصر؟
- إذا كانت الصفقة حسنة النية وتهدف إلى مصلحة البلد ستنجح، فالرئيس القادم سيكون نتيجة توافق الحكم الثنائى وسيكون دوره فى الحكم محدوداً، ومن الممكن أن يكون الحكم الثنائى كارثة على مصر لو أنه أصر على تهميش قوى الثورة وبعثرتها.. ساعتها ستنمو قوى الثورة خارج النظام وتعمل على هدمه بالتحالف مع الجياع والمحرومين، ومن مخاطر الحكم الثنائى أن كل طرف فى الحكم يحمل الخنجر للآخر وراء ظهره، ويعد العدة للقضاء عليه، فيكون التحالف صورياً.
■ وهل من الممكن أن تتحالف قوى الثورة مع الجياع والمهمشين؟
- ولم لا؟ لو فقدت قوى الثورة حزب الكنبة ومؤسسة الدولة ستبدأ فى البحث عن قواعد جديدة.. يجب ألا نستهين بقوى الثورة لأنهم مبدعون فى أفكارهم.
■ قلت من قبل فى حوار سابق أن الطحن الحقيقى لم يبدأ بعد، فماذا كنت تقصد؟
- كنت أقصد أن الطحن بين قوى الاستبداد باسم الدين وقوى الحرية لم يبدأ بعد وهذا ما سنشهده قريبا.. فأطراف الثورة ثلاثة: الاستبداد السياسى والاستبداد باسم الدين والحرية.. انتهى الاستبداد السياسى ولن يكون لسياسة القبضة الأمنية الحديدية مستقبلا فى مصر بعد الآن، وما يحدث حاليا مجرد توابع.. أما الصراع المقبل فبين الاستبداد الدينى والحرية. الاستبداد موجود عند كل من يرى أنه وحده على صواب، سواء كان تيارا دينياً أواليسار أوالدولة الأمنية.. فالاستبداد الأمنى يرى أنه وحده يعمل لصالح البلد، والإسلاميون يرون أنهم يتحدثون باسم الله، واليسار يرى أنه يتحدث باسم الشعب.. وأنا أخشى على الحريات من كل هؤلاء. وأولى إرهاصات الطحن المنتظر، ماحدث فى الجلسة الإجرائية لمجلس الشعب.. فمثلا من أقسم أن يحترم الدستور بما لا يخالف شرع الله، ماذا لو أن هناك مواطناً غير مؤمن، أليس له حقوق؟ هذه أعراض برلمان لم يقم على أساس سليم، ولم يقر مبادئ الحريات بعد.
■ هل بدأ نقاش بشأن ميزانية الجيش ومراقبتها فى مصلحة البلاد فى المرحلة الحالية، أم من الأفضل إرجاؤها لحين استقرار الأوضاع؟
- إما أن نحترم المصالح الأساسية للجيش، فنكسبهم كمتعاونين معنا فى المرحلة الانتقالية مقابل أن نخسر شيئاً ما، أو أن نصمم على الصدام معهم، فى كلتا الحالتين هناك مكاسب وخسائر، وعلينا اختيار أى مكاسب نريد وأى خسائر نقبل.
■ ما وجهة نظرك فيما يخص علاقتنا بالمؤسسة العسكرية؟
- لو كان المجلس العسكرى أدار المرحلة الانتقالية بشكل توافقى مع القوى السياسية، وفق خريطة سياسية واضحة لكان قد حصل على كل ما يريد من حماية، لكنه كلما أطال فترة حكم المرحلة الانتقالية منفرداً عرض نفسه للنقد والعداء.
■ قاطعته: لكن لم يبق من المرحلة الانتقالية سوى ٥ أشهر.. فهل يمكن إحداث توافق بين المجلس العسكرى والقوى السياسية بعد كل ما حدث؟
- تصورنا أن المرحلة الانتقالية ستنتهى بانتخابات الرئاسة، ولكن الحقيقة أنها ستبدأ بعدها.
■ بمعنى؟
- المرحلة الانتقالية، هى المرحلة الوسط بين النظام الديكتاتورى والوضع الجديد، فهل سندخل فى هذا الوضع بعد ٥ أشهر؟؟ قطعا لا، فكل القضايا المعقدة التى لم نحلها ستستمر فى المرحلة المقبلة. فمازالت لدينا قوانين نود تغييرها، فضلا عن تطهير الإعلام والقضاء والداخلية وحل مشكلات الأحزاب.
■ وماذا نسمى الفترة الماضية إذن؟
- إهدار للوقت. المرحلة الانتقالية ستبدأ مع الرئيس الجديد خلال المدة الرئاسية الأولى، وإذا صارت الأمور بشكل جيد لن تستقر مصر قبل خمس سنوات، أما إذا لم تسر بشكل حسن فسنحتاج إلى ٣٠ سنة أخرى.
■ هل ترى إمكانية لمحاكمة المجلس العسكرى على ما ارتكب من جرائم ضد المتظاهرين؟
- المحاكمة على الجرائم الكبرى ضرورية، وهذا ليس معناه أن نطارد الناس أو نزج بهم فى السجون، لكن الاعتراف بالمسؤولية عن الجرائم ضرورى.
■ وماذا لو قال المجلس العسكرى إنهم حاكموا العساكر والضباط الذين تورطوا فى أعمال عنف ضد المتظاهرين؟
- الجندى يجب أن يخضع لمحاكمة عسكرية بحكم القانون، لكن بما أننا خلقنا أزمة ثقة فإنه من الأفضل حضور مراقبين من المجتمع المدنى والضحايا حتى يروا بأنفسهم محاكمة من أخطأ ؟ يجب أن يحدث ذلك بمبادرة من المؤسسة العسكرية لطمأنة الناس ولندخل المرحلة الجديدة ونحن شركاء لا أعداء.
■ هل يمكن محاكمة المجلس العسكرى عن مسؤوليته السياسية فى قتل المتظاهرين؟
- فى قضايا العدالة الانتقالية لابد من المواءمة بين اعتبارات العدالة واعتبارات الانتقال السياسى لوضع مستقر، فإذا كان هناك ضابط عُرف أنه قاد التعذيب وقتل بدم بارد لابد أن يحاكم، وإذا تبين أن قرار إطلاق النار على المتظاهرين كان بقرار سياسى فلابد أن يتحمل صاحبه المسؤولية. وسواء كان الخروج آمناً أو غير آمن، فإن معرفة المسؤول عن إصدار قرار القتل فى حد ذاته أمر ضروري، وهو نوع من أنواع العقاب.
■ بنفس المنطق لو أعلن مبارك أنه من أصدر قرار قتل المتظاهرين فى يناير لا يحكم عليه أو يحبس؟
- لو أن مبارك خرج للناس وأعلن أنه أصدر قرار ضرب المتظاهرين، فليس من الضرورى فى رأيى معاقبته بالحبس، أنا من أنصار الفصل بين الإقرار بالجرم والعقوبة الجسدية. أنا أريد أن يخرج الضباط علينا ليعترفوا بالذنب، بأنهم سحلوا البنات وأطلقوا النار. السبيل الوحيد للخروج الآمن هو الإقرار بالجرم. وأنا من رأيى ألا توقع عقوبة جسدية على الرئيس السابق، فلو أدين يكفى وضعه تحت الإقامة الجبرية.
■ لماذا؟
- لأن المجتمعات يجب ألا تعاقب أو تنتقم كالأفراد، وإنما أن تتصرف بشكل عاقل، فإعدام الرئيس لن يكون تصحيحا لما مضى.
■ لكنه سيردع الرئيس القادم؟
- وهل إعدام الرؤساء والملوك السابقين ردع من جاء بعدهم؟ الثورة الفرنسية أعدمت لويس السادس عشر، فجاء بعده مباشرة نابليون بونابرت. هل نريد الانتقام من الرئيس السابق أم نريد أن نرى تغييرا حقيقيا فى نظام الحكم؟
■ ما الذى يجب أن يقدمه المجتمع للمؤسسة العسكرية فى المستقبل؟
- حماية حيادها واستقلالها.
■ هذه جملة مطاطة؟ ماذا يعنى ذلك تحديداً؟
- يجب بناء النظام على الثقة وليس التخوين، يعنى يجب مراقبة ميزانية الجيش، والتأكد من جهات الإنفاق، ربما من خلال مجلس أمن قومى يتعامل مع قضايا الأمن الداخلى والخارجى، لكن الأهم هو أن تطور القوات المسلحة آلياتها لتكون أكثر كفاءة وتعيد تقييم أولوياتها: «هل هى مصانع المكرونة أم الوسائل الدفاعية؟ هل لديها فائض عقول تريد أن تساهم بهم فى المجتمع المدنى؟ وقتها يجب التفكير فى كيفية توظيف هذه الطاقات والإمكانيات الهائلة داخل الجيش والمساهمة بها فى تنمية المجتمع بمنطق الشراكة بين العسكريين والمدنيين، ليس بمنطق العداء.
■ بوصفك قريبا من الدكتور البرادعى، كيف ترى انسحابه من الترشح لانتخابات الرئاسة؟
- وفق فهمى لقرار البرادعى، فإنه جاء نتيجة اكتمال انحراف المرحلة الانتقالية عن المسار الصحيح، وهذا ما قاله فى بيان الانسحاب.. وكان هناك أمران سبقا القرار يمكن شرحهما.. أولا عندما أعلن أنه على استعداد لأن يكون رئيس وزراء للمرحلة الانتقالية، لأنها أهم مما قد يأتى بعد ذلك، وكان جادا فى كلامه ولم يكن يناور. ثانيا عندما أعلن أنه لن يدخل انتخابات فى ظل عدم وجود «دستور أولا».. فالعملية الانتخابية الآن أخذت شكل الديمقراطية، دون جوهرها، فقد أبقت على التنوع خارج البرلمان وأدخلت فصيلا واحدا فقط أوكلته كتابة الدستور فأصبحت انتخابات الرئاسة لا معنى لها.
■ البعض فسر توقيت إعلان الانسحاب أنه انتقام من المجلس العسكرى ولتهييج الناس؟
- البرادعى تعمد عدم الظهور الإعلامى حتى ٢٥ يناير، كى لا يفهم الأمر على أنه لإثارة وحث الناس على النزول إلى الشارع، لكن هناك من يريد اتهامه على طول الخط.. فلو خرج للناس، قالوا للتهييج ولو رشح نفسه يبقى طمعان فى الرئاسة ولو انسحب يبقى ينتقم أو يهرب.. أى كلام يعنى.
■ مصر إلى أين؟؟ إيران أم باكستان أم تركيا؟
- الإخوان هم رمانة الميزان لو مالوا ناحية العسكر لذهبوا بنا إلى باكستان، وإذا مالوا ناحية القوى الثورية الديمقراطية لذهبوا بنا إلى تركيا وإذا مالوا إلى السلفيين لذهبوا بنا إلى إيران.
■ ما توقعاتك للرئيس القادم؟
- تخمينى أنه سيكون مرشحا توفقيا بين الإخوان والمجلس العسكرى، ليس إسلاميا وليس عسكريا، وأعتقد أنه سيكون شخصا تحمل مسؤولية تنفيذية فى الماضى، لكن اسمه غير مقترن بالرئيس السابق وهو ما قد ينطبق على منصور حسن أو نبيل العربى.

طبنجة لتوحيد هانم بقلم نيوتن ١/ ٢/ ٢٠١٢


آثرت ألا يذهب أحفادى بالأمس إلى مدرستهم. كان أبوهم (هناء) نائما فى غرفته، حين فاجأونى - الثلاثة: أكثم وميسرة ومُنال - بضم حرف الميم - بمشاعر ملتاعة سيطرت عليهم. سمعوا من زملائهم عن عملية السطو على البنك. استدعى أكثم من على موقع اليوتيوب تسجيلاً للجريمة. بمجرد أن استيقظ عرضه عليهما. نقل خوفه إليهما.. فخافوا كلهم. فهمت من مُنال أن سائق باص المدرسة يردد طوال الطريق من البيت إلى نهاية الرحلة أدعية يتمنى فيها ألا يتعرضوا لشر. طريقته توتر الأولاد. السائق محق فى توقعاته التى تثير الاضطراب.
أمعنت فى الفيديو القصير الذى يسجل واقعة السطو. خمسون ثانية تثير ذعراً وألماً. اللصوص بعثروا ما نهبوه من مال خلال الهروب. ذكّرنى المشهد بما كتبت عنه منذ أيام حين تعجبت من عملية سطو مسلح انتهت بالاستيلاء على بكرات ورق تواليت ولوف حمام. ترقَّت العصابات وانتقلت من الهجوم على محال سوبر ماركت إلى البنوك وسيارات نقل الأموال والطرق والمحال. مصر تعيش حالة متدهورة باطراد من انعدام الأمن.
عاد أحفادى إلى غرفهم. غالبوا مشاعرهم بأفلام الرسوم المتحركة وألعاب الموبايلات والبلاى ستيشن. جلست مع نفسى أفكر فى التدهور الذى يتضاعف يوماً تلو آخر فى المجتمع بينما السياسيون مستغرقون فى خلافات مؤسفة. جرائم السطو المسلح تعبير عن أن الدولة لم تعد تردع مجرماً. القانون لا يخيف. أهم الأسباب هو أن هذه الدولة تُمتهن كل لحظة فى خطاب السياسيين. تطعن سلطاتها فى مصداقيتها. الفوضى تقع فى النفوس قبل أن تتجسد فى الشوارع.
طرق بابى جارى صادق بك وزوجته توحيد. لم أتململ هذه المرة من اقتحامهما لحياتى فى هذا الوقت المبكر. كنت أريد أن (أفضفض) فى الموضوع مع أى أحد. يثير فزعى أن تتهدد سلامة أى من أحفادى. يزعجنى جداً أن يساورهم الخوف. رحبت بصادق وزوجته التى لم أنس اليوم ألا أضيف إلى نهاية اسمها (تاء مربوطة).
فاجأنى مشهد صادق. كان يحيط صدره بحزام جلدى فخيم ممتد إلى ما تحت ذراعه اليسرى حيث استقرت طبنجة. قلت له مندهشاً: هل سوف تذهب للرماية فى هذا الوقت المبكر؟ ثم أضفت متذكراً: لم أعرف عنك الميل إلى هذا النوع من الهوايات!!
قال: هواية؟ ليست هواية يا باشا. هذه طبنجة للحماية لن أتحرك بدونها بعد اليوم، ثم أخرج الطبنجة من مكمنها، وقال بثقة: (حتة ألمانى مفتخرة)، عقبت زوجته توحيد: لم نعد نطمئن إلى شىء، لابد أن نحتاط. نحن نتحرك على طرق طويلة ذهاباً وعودة، ثم فتحت حقيبتها حيث أطلعتنى على (صاعق كهربائى) وأنبوبة (سيلف ديفنس)، ومضت تردف: من فضلك أقنعه بأن يشترى لى أيضاً طبنجة!
تجاهلت طلبها المثير. قد لا يعرفان أنى من هواة الأسلحة ولو أنى لا أمتلكها. كنت أسافر مع بعض الأصدقاء فى رحلات سفارى إلى كينيا وجنوب أفريقيا للصيد، لكنى كنت دائماً أباعد بينى وبين اقتناء البنادق. أستخدم قطعاً مما لدى أصدقائى ثم أعيدها إليهم. ذات مرة اشتريت بندقية احتفظت بها فى بيت صديق، ثم بعتها له. قلت موجهاً كلامى إلى صادق: اقتناء السلاح لا يوفر الإحساس بالأمن ولا يضمن لك السلامة. الأمن (حالة) نفسية قبل أن يكون (حالة واقعية)، إذا سقط الإحساس به فى داخلك لن تطمئن ولو كنت تعيش داخل دبابة!
استمررت أكمل: مصر كانت تعطى انطباعاً بالأمان.. ليس لأن هناك شرطياً يقف عند بداية ونهاية كل شارع.. إنما لأن عصابات الجريمة كان لديها قدر من الشعور بالردع.. انتهى الآن. الشرطة مقيدة ومبعثرة. الدولة منهارة. السلطات انزوت فى أركان الدفاع عن ذاتها. فقدت رموز القانون هيبتها. حتى الآن لم يتورط المجتمع فى حرب أهلية.. لكنه بدأ التعرض لحرب من الجريمة. فى كل فترات عدم الاستقرار لابد أن ينكشف المجتمع أمام العنف بصورة أو أخرى.
قالت توحيد: «ها أنت تتكلم عن العنف. أنا لا يكفينى هذا الصاعق الكهربائى. لابد أن أضع فى حقيبتى مسدساً. اللصوص لا ينتظرون أحداً. أقنعه أرجوك». رد صادق بمنطق الخائف على زوجته: لن يحدث، أنت متهورة، يمكن أن تطلقى النار فى أى لحظة. قلت: تريثى وقتا يا توحيد هانم. إذا كنت أعتقد أنه ليس على صادق بك أن يحمل مسدساً فكيف أقنعه بما لا أريده أن يفعله. انتابها شعور بالإحباط وخيبة الأمل. قالت: نحن نعيش رعباً. قلت: معك حق.. أتفهمك، لكن المشكلة لن تجد حلاً بحمل السلاح.. بالعكس المشكلة تتفاقم لأن الكثيرين يتجهون إلى شراء واقتناء السلاح.. بطريقة شرعية أو غير ذلك.
كانا يتجادلان بينما رحت أقلّب فكرة فى ذهنى لم أطلعهما عليها. المجتمع شاهد السياسيين يختلفون حول إدانة العنف فى الشوارع. بعض المتزيدين مجَّد إحراق المبانى وقذف السلطة بالمولوتوف. برروا للإجرام ما اقترف. صنَّفوا العنف على أنه تعبير عن الرأى. محطات التليفزيون تنقل (خناقات الشوارع كما لو أنها خبر سياسى). سلطات الأمن تفسح المساحات الآن أمام منتقديها خوفاً. إذا كانت تخشى من تنظيم مظاهرة وضمان سلامة من فيها.. فكيف يمكن أن يرتدع منها مجرمون محترفون يقتحمون البنوك والمحال.
انتبهت من تداولى مع نفسى للفكرة حين ارتفع صوتهما.. كانت توحيد تصر على أن تستولى على سلاح صادق بك لنفسها.. قائلة: سوف يكون معى، وتصرف أنت لنفسك!

ثلاثى أضواء الحكم! بقلم محمد أمين ١/ ٢/ ٢٠١٢


قراءة الصورة مفيدة جداً.. كل صورة لها رسالة بالتأكيد.. صورة مبارك على سرير طبى رسالة معينة.. افهمها كيف شئت.. صورة العادلى فى طريقه إلى المحكمة، وخلفه ضباطه، رسالة.. صورة المشير مع الجنزورى والكتاتنى، قبل بيان الحكومة، رسالة أخرى.. صورة الجنزورى عائداً إلى مكتبه بمجلس الوزراء لأول مرة، والابتسامة تعلو وجهه، رسالة للبورصة!
تأمل معى هذه الصور بهدوء.. وإذا شئت أن تبدأ من الآخر، فأنت أمام موكب رئيس الوزراء.. «الجنزورى» يعود لأول مرة إلى مكتبه، استعداداً لإلقاء بيانه أمام مجلس الشعب.. وصل فى العاشرة صباح أمس، إلى مقر مجلس الوزراء، وسط تواجد أمنى غير مسبوق.. ودخل موكب «الجنزورى» من الباب الرئيسى لمقر مجلس الوزراء.. معناها رسالة للعالم: ادخلوها آمنييين!
لم يشأ «الجنزورى» أن يأتى قبلها.. ولم يشأ أن يأتى متخفياً.. ولم يقبل الدخول من الباب الخلفى.. من الباب الرئيسى فى وضح النهار.. سلم «الجنزورى» على الموظفين بديوان المجلس، ثم دخل مكتبه لمراجعة بيانه، قبل أن يلقيه أمام البرلمان.. اثنا عشر عاماً مضت على مغادرة المكان.. والآن يعود.. العودة هنا تحمل رسالتين: رد الاعتبار من ناحية، والاطمئنان من ناحية أخرى!
عاد الجنزورى بعد ١٢ سنة من خروجه من الوزارة، فى عهد مبارك.. واليوم يعود مرتين.. المرة الثانية بعد غياب دام ٥٠ يوماًً، عقب استقالة د.عصام شرف، حيث باشر «الجنزورى» أعماله من مقر وزارة التخطيط، ثم استقر فى مقر الهيئة العامة للاستثمار، قبل أن يدخل مكتبه صباح أمس، فى مقر مجلس الوزراء، على بعد خطوات من ميدان التحرير.. الابتسامة لها دلالة!
ولو رجعتم إلى الصورة وملابساتها، ستعرفون أن الجنزورى كانت روحه المعنوية فى السماء.. معناها أنه مطمئن، والحضور الأمنى معناه أن الأمن مستتب.. الجنزورى يفتح عكا.. الجنزورى يفتح مجلس الوزراء.. لم تحدث الحكاية مصادفة.. فهو بالتأكيد لم يفاجئ موظفى مجلس الوزراء، لكنه كان على موعد.. المشير يعرف، ووزير الداخلية يعرف.. الرسالة وصلت!
وحين نعود إلى صورته مع المشير.. نجد أن الجنزورى كان الأقرب إلى المشير، يليه الكتاتنى، ثم الفريق عنان.. ارجعوا إلى هذه الصورة.. بروتوكولياً المفترض أن الكتاتنى أولاً.. إنه يمثل الشعب.. الشعب الذى صنع الثورة، والشعب الذى جاء بالمشير، والشعب الذى جاء بالجنزورى.. لكن رئيس الوزراء يسبق رئيس مجلس الشعب.. فهل هو ترتيب مقصود، أم مصادفة؟!
فى الصورة إشارات واضحة جداً.. المشير على مقعد الرئيس.. الجنزورى لا يظهر أن لديه سلطات رئيس جمهورية.. إنه يتلقى التعليمات وربما الأوامر.. الكتاتنى لا يعيش دور ممثل الشعب الثائر.. لا يصدق أنه يجلس مع المشير.. يردد فى نفسه: سبحانك يارب.. لا ينسى أنه كان محظوراً، منذ عام فقط، والآن مع المشير شخصياً، بعد أمين الشرطة، فى القيد الحديدى!
الثلاثى الحاكم «المشير والجنزورى والكتاتنى» متناغم.. الصورة تتحدث عن نفسها.. هناك اتفاق على كل شىء تقريباً.. سواء بشأن الرئيس القادم، أو الدستور، أو المحاكمات.. المشير يدير بثقة كاملة.. عنان يحرس الموقف بعناية.. أعود لأبحث عن تفسير لصورتى مبارك والعادلى: الأولى مستفزة، والثانية واثقة جداً.. فهل هناك علاقة، بين صور الحاكم والمحكومين، والتحرير؟!

دعوا مصر وأهلها بسلام آمنين بقلم أمل السامرائى ١/ ٢/ ٢٠١٢


ما كنت أودّ الخوض فى موضوع خضت بحره كثيراً بسفينة الحزن على ما أصابه من فقر حِرَفى عار من المصداقية، سواء فى فترة تصنيع الآلهة قبل الثورة أو عبثيته فى نقل المعلومة وتجنيد بعض ممن أوليناهم إعجابنا بحضورهم وفكرهم..
 فى ضرب الأسافين فى جسد الوطن بعد الثورة.. ما كنت أريد الحديث عن الإعلام لما يثيره ذلك من شجن حين أرى شخصيات ذات ماض مشرّف ورأى تُستضاف فى برامج تقزّم قامتهم حين تتفضل (المقدّمة أو المقدّم) عليهم بالاستضافة،
 حاملين عصا الانفعال والتدخل وفرض الرأى بما لا يتيح للضيف فرصة الحوار.. لكن ما جعلنى أطرق هذا الباب المغلق على الغرائب، قصة (مراد العمارى) صحفى وإعلامى عراقى يهودى.. واجه سجناً واعتقالاً بسبب وطنيته ووقوفه ضد الاستعمار البريطانى مما جعله يقدم استقالته من إذاعة بغداد حين طُلِبَ منه إذاعة بيان موال لبريطانيا.. لتحضرنى المقارنة بين صاحب مبدأ وقضية ضحّى بالكثير من أجلها..
 وبين حفنة من الباحثين عن الشهرة والمادّة تحت سماء ممطرة سهاما تخترق خاصرة الثقة بين أطياف الشعب وفصائله السياسية، وتنفذ إلى قلب الأمان مفجّرة عنفاً وتخويناً وتشكيكاً لا تحتمله نفس تترنح بين أمس مُدْلهم، ويوم ضبابىّ، وغد مبهم، وحلم كان يأخذنا بإعلام أكثر صدقا وحرصا على الاستقرار ومعالجة الأحداث ليفاجئنا بنجوم خبا بريقها خلف أقنعة مصطنعة باهتة، وعيون تجاهد من أجل دمعة كاذبة تنساب باردة على وجنة جليد..
إعلام لم يستطع مواكبة التغيير بما يشيعه من قلق ومعلومات هامشية لم تستنبط من عمق الحقيقة، ففريق يسبّ ويلعن ويستفز العداء ضد ديكتاتورية العسكر وقمعهم الرأى والكلمة، ويصبّ الاتهامات فى طبق ملوّث بالدموية والانتهاكات الإنسانية.. تحت مرأى ومسمع المجلس بما يناقض تهمة القمع..
 وفريق يفرش ورود المديح والعرفان بساطا للجيش والمجلس.. وفريق ثالث تائه يبحث عن مرآة ناصعة تعكس الحقيقة وتسقط القناع عمّا يشاع وعمّن هو المسؤول، ولاشك أن الجميع مسؤول عن كارثة هزّ صدى تناقضاتها وأجنداتها معاقل الأمان وآليات العمل والتعاون الجاد فى رسم خارطة طريق موحدة لإنقاذ الوطن مما يحاك له من مؤامرات بخيوط الفتنة..
ليكون أوّل مسؤول عن ذلك هو المجلس العسكرى الذى لم يكن بالشفافية المطلوبة فى مرحلة تحتقن بالفوضى والشائعات والتنديد بتباطئه فى تلبية مطالب الشعب الأساسية، أما المسؤول الثانى والأشدّ فهو المنظومة الإعلامية واستبدالها التهدئة وسبر غور الحقيقة بدقّة ومصداقية.. ببث الفتنة والشائعات والتحريض العلنى وتفتيت الشمل،
 دون النظر إلى ما يفرزه ذلك من دمار وسفك دماء وعبث بأمن الوطن يعتبر خيانة ما بعدها خيانة، غير آبهة بشرف الرسالة.. ودون أن تعى أن علامات التأثر التمثيلىّ التى تعلو وجوه بعض الإعلاميات والقدح والاستفزاز يثير الغضب والتقزز.. ولا أنسى ما فعله صديق لى قام بتحطيم (شاشة التليفزيون) بفنجان قهوته وهو يشاهد إحداهن تتمادى فى التحريض واللعب على العواطف بطريقة مريبة ..
فهل يعى كلٌ رسالته ويتقى الله حتى يُصاغ الدستور ويُنتخب الرئيس المنتظر، وتكون أهم مهمات مجلس الشعب المنتخب وقوفه مع الشعب وإصراره على تسليم السلطة فى موعدها؟ وهل يتحقق الأمل على أيدى الشباب بالعمل وتضافر الجهود لإفشال المكائد وسحق الطفيليات لتعيش مصر وأهلها بسلام آمنين؟

ماليزيا: إسلام بلا ضجيج بقلم منار الشوربجى ١/ ٢/ ٢٠١٢


دعيت مؤخرا لحضور مؤتمر نظمته جامعة ماليزيا الإسلامية والحكومة الماليزية معاً هدفه إنشاء «حركة عالمية للمعتدلين» فى العالم. وقد حرصت على المشاركة ليس فقط بدافع الرغبة لمعرفة المزيد عن تلك الحركة، وإنما من أجل التعرف عن قرب على التجربة الماليزية فى الاقتصاد والسياسة والوقوف على جوهر أسباب النهضة التى تحققت هناك.
أول ما تلاحظ حين تقضى بعض الوقت فى ماليزيا هو أنك إزاء بلد إسلامى، ينص دستوره على أن دين الدولة الرسمى هو الإسلام ويلتزم المشرع فيه بأحكام الشريعة الإسلامية، إلا أنك تعيش فيه إسلاماً بلا ضجيج. إسلام يتنفسه الماليزيون ويعيشونه ويمارسونه بكل جدية ولكن دون كلام كثير ولا كلام كبير. فأنت لا تجد هناك سلوكيات زاعقة كالتى يتبناها البعض هنا فى مصر، ولا تعنى إلا أن صاحبها يريد أن يقول لك فى كل دقيقة «والله العظيم أنا مسلم ومتدين» دون أن يشكك أحد فى إسلامه أصلاً أو يطلب منه إثباتا لتدينه.
وإذا سألت المسلمين الماليزيين، يقولون لك إنهم يتبنون «الوسطية الإسلامية». وهو ما تعلنه بفخر الحكومة الماليزية نفسها بل واعتبرته الأساس الذى بنت عليه مؤتمرها. وماليزيا مجتمع متعدد يضم ماليزيين من المالايو، وآخرين من أصول صينية وهندية. والمالايو هم السكان الأصليون ويدينون بالإسلام. لكن الهنود والصينيين وفدوا إلى ماليزيا عبر التاريخ واستوطنوا فيها وصاروا مواطنين. ورغم أن المالايو المسلمين يمثلون الأغلبية فإنك تلحظ تعايشا وحرية ثقافية ودينية لا تخطئها العين. فالمالايو المسلمات يرتدين الحجاب دون فرض، بينما ترتدى الصينيات والهنديات أحدث صيحات الأزياء العالمية دون حرج. وأنت تجد المساجد إلى جانب المعابد البوذية والهندوسية. وكانت ماليزيا «الدولة» وقت زيارتى تستعد للاحتفال برأس السنة الصينية التى يحتفل بها البوذيون أى الماليزيون من أصل صينى. فالأعياد الدينية للأقليات أعياد «وطنية» تعامل فى ماليزيا مثلها مثل أعياد الأغلبية.
والماليزيون يكنون احتراما وتقديرا خاصا لمصر كونها بلد الأزهر. فهناك اثنا عشر ألف ماليزى تقريبا يدرسون فى الأزهر كل عام. وكلما ذكرت أنك مصرى يعاجلك محدثك فورا بأن عمه أو أخاه أو ربما أسرته بأكملها درست فى الأزهر.
تأملت الواقع الماليزى والواقع المصرى، وتأملت دور الأزهر هناك ودوره هنا، فوجدتنى إزاء مفارقة جديرة بالاهتمام. فما الذى يجعل الأزهر مُصَدّرا للوسطية خارج مصر دون أن يلعب الدور نفسه داخلها؟ والإجابة فى تقديرى تكمن فى الفارق بين الأزهر كجامعة وبين الأزهر كمؤسسة إسلامية عريقة. فهو الفارق بين الدراسة الفقهية وبين دور الأزهر.
فالأزهر كجامعة لايزال يحتفظ بدوره، حيث يقدم الدراسة الفقهية التى تسمح للدارس بالتعمق فى علوم الدين وفى دراسة كل المذاهب الفقهية الإسلامية على نحو علمى. لكن الأزهر كمؤسسة إسلامية تراجع دوره كثيرا بفعل عقود طويلة من التبعية لنظام الحكم فى مصر سحبت من رصيد مصداقيته. والفارق بين الأزهر «الجامعة» والأزهر «المؤسسة الإسلامية الرائدة» هو فى تقديرى الفارق بين دور الأزهر داخل مصر ودوره خارجها. فنحن المصريين الأكثر تأثرا بتراجع مصداقية الأزهر بسبب تبعيته لحكومتنا، لأنها تؤثر على مواقف الأزهر من الشأن المصرى الداخلى والخارجى. وتراجع مصداقية الأزهر داخل مصر خلق فراغا ملأته رؤى واتجاهات ورموز دينية حلت محله ونافسته. أما الأزهر «الجامعة» فلايزال ينتج أجيالا من الوسطية الإسلامية للشعوب الأخرى.
وتراجع دور مصر ودور الأزهر معا نتج عنه مفارقة أخرى مهمة. فماليزيا- وليست مصر- هى التى ترفع اليوم راية «الوسطية الإسلامية» التى طالما رفعتها مصر، حتى إن ماليزيا هى التى تتبنى اليوم الدعوة لحركة عالمية «للاعتدال والوسطية». فالوسطيون فى ماليزيا أزهريون بلا أزهر، بينما المصريون صاروا رهينة للفراغ الذى خلقه تراجع دور الأزهر ودور مصر نفسها.
ومن هنا، صرت أكثر اقتناعاً بما كتبته هنا من قبل، وهو أن ما يجرى فى مصر الآن من إقحام للأزهر فى الصراع السياسى فى مصر يضر بمصر ولا يسهم فى استعادة الأزهر لدوره ومكانته كمؤسسة إسلامية شامخة لعبت أدواراً مبهرة فى تاريخ مصر وتاريخ المسلمين.
فبالنسبة لمصر، فإننى لا أفهم كيف يدعو الناس ليل نهار للدولة المدنية ثم يطلبون من المؤسسة «الدينية» أن تفصل بينهم فى الصراع السياسى! واعتراضى على إقحام الأزهر فى الصراع السياسى لا يعنى الدعوة لإقصائه من الحياة العامة، فالعكس هو الصحيح. فما يحدث لا علاقة له بدور الأزهر ولا بما قد يعيد له مكانته. فهناك فارق شاسع بين أن ينحاز الأزهر للحق والعدل داخل مصر وخارجها ويقف بوضوح ضد الظلم والفساد ويتخذ مواقف مستقلة من قضايا المسلمين الحيوية، وبين أن ينخرط فى العملية السياسية فى مصر. وهى عملية سياسية مطلوب منه أن يلعب فيها دور حائط الصد ضد فريق سياسى عبر تحويله إلى سلطة دينية لا وجود لها أصلا فى الإسلام، الأمر الذى يجعلنا ندور فى الحلقة المفرغة نفسها. فبدلا من انحياز الأزهر المرفوض لمواقف الحكومة، مطلوب منه الانحياز لموقف تيار سياسى دون آخر! وهى الحلقة المفرغة ذاتها التى كان إحدى نتائجها أن ترفع ماليزيا، وليس مصر، راية الوسطية الإسلامية فى العالم.
ورغم أن مؤتمر ماليزيا أثار شجونى بشأن مكانة بلادى ودور الأزهر، فإن ما دار فى المؤتمر نفسه وفى لقائى بمهاتير محمد يستحق حديثا آخر، فإلى مقال الأسبوع القادم بإذن الله.

شاهد على ثورتين بقلم جمال البنا ١/ ٢/ ٢٠١٢


ويحكم هذا المجلس بمقتضى شرعية الثورة الشعبية التى هى أثمن الشرعيات، فكل الدساتير تنص على أن الأمة هى مصدر السلطات، وها هى ذى الأمة بقضها وقضيضها كما لم تمثل من قبل، وإذا رفض المجلس الأعلى للقوات المسلحة، أشار الثوار إلى الميدان، فيذعن المجلس لأن من الممكن أن يحتويه المليون.
وكان على المجلس التنفيذى الثورى أن يبدأ عمله فوراً وسريعاً وبكل عزيمة وقوة فيعلن سقوط دستور ١٩٧١، ويقوم بالقبض على قادة النظام الفاسد وهم قرابة عشرين أو ثلاثين شخصاً ويأمر بحل مجلس الشعب ومجلس الشورى واتحاد العمال، وبالطبع الحزب الوطنى، ويصدر قانوناً بالتحفظ على أموال ألف شخص هم الفئة المستفيدة بشكل مباشر من الفساد.
ولكن ما حدث كان شيئاً غير ذلك، فكان المجلس الأعلى للقوات المسلحة يحكم بروح دستور ١٩٧١، ويدعى المحافظة على الأصول الديمقراطية، ودل بذلك على جهله الأولى للمبادئ الثورية، وهى أن الثورة إنما قامت لتفاقم الفساد وعجز القوانين العادية عن إصلاحها، وأن إصدار الأحكام على الأساس الديمقراطى معناه تفريغ الثورة من دفقتها الثورية، إنه مثل سكب الماء على نار الثورة، فأدارت الثورة بأيدٍ غير ثورية.. أيدٍ بورجوازية ديمقراطية لا يمكن لها أن تصلح للنظام.
وظهرت وقتئذ قضية أظهرت إفلاس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، فكان لابد من وضع دستور يحقق أهداف الثورة ويتخلص من سوءات دستور ١٩٧١ المهلهل الذى عُدل فى أيام السادات وعُدل فى أيام مبارك عدة مرات، وكانت إحداها عن ٣٣ مادة، بينما عُدل أخيراً للتفصيل مواد انتخاب الرئيس بحيث لا تصلح إلا لمبارك نفسه أو ابنه جمال، ولكن المجلس الأعلى للقوات المسلحة قرر وضع تعديل للمواد الخاصة بالرئاسة بدستور ١٩٧١، وعرضه للاستفتاء، فإذا أقره الشعب أجرى الانتخابات مباشرة دون حاجة إلى وضع دستور جديد، وكان من أسباب ذلك أيضاً ظهور مجموعة قوية منظمة هى الإخوان المسلمون التى كانت «جماعة محظورة» فجاءت الثورة فحررتها، وكان لديها تنظيم قوى احتفظت به طوال سنوات الاعتقال، فلما حررتها الثورة جعل الإخوان المسلمون هدفهم الاستيلاء على الحكم بأسرع ما يمكن حتى لا يحدث ما قد يؤدى إلى تأجيل أو يعطى الأحزاب الناشئة فرصة لتؤهل نفسها للانتخابات، وقاموا بدعاية جبارة تقول إن رفض التعديلات سيؤدى إلى إقامة دستور جديد يخلو من المادة الثانية الخاصة بمبادئ الشريعة، ولم يكن لهذا أصل مطلقاً، ولكن الإخوان ألبسوها ثوب الحقيقة، وسرت هذه القالة سريان النار فى الهشيم، وكُررت على منابر المساجد أوقات الصلوات حتى انتصرت بأغلبية كبيرة، وقضى على فكرة دستور جديد.
إن تكوين دستور جديد عند قيام ثورة هو أول ما يجب على الثورة أن تقوم به لأنه سيحدد ويقرر مشروعية الإجراءات كافة بما فيها الانتخابات وغيرها، وتكوَّن بالفعل فريق ضم كل الذين لديهم عقول يُنادى بالدستور أولاً، بينما تكوَّن معسكر آخر يضم كل العوام والجهلة يُنادى بالتصديق على التعديلات، وهُزم فريق العقل أمام فريق الجهل.
وعندما بدأت الحكومة ممارسة الانتخابات، فُجعت لأنها وجدت أن دستور ١٩٧١ به ثغرات لا عداد لها ولا يمكن إجراء الانتخابات على أساسه، فوضعت إعلاناً دستورياً من ٦٠ مادة أشبه بدستور يمكن أن تجرى على أساسه الانتخابات، وذهب أدراج الرياح كل ما ادعته من أنها تمثيل الشعب وإرادة الشعب..إلخ.
إن شاهد الثورتwين يؤسفه أن شهادته لم تحقق ما نحب ونرضاه، بل كانت استعراضاً لتجارب فاشلة استنفدت قوى الثورة، وآمل أن تستطيع ثورة ٢٥ يناير أن تنقذ نفسها من هذا المصير، وإنى أناشد الدكتور البرادعى أن يتدخل بكل قوة لينقذ الثورة مما انتهت إليه، ومع أنه حريص على ألا ينزل عن مستوى معين إلا أن الضرورات تلزمه بأن يكون وسط الجماهير، فهو الآن الوحيد الذى يمكنه أن يقوم بهذه المهمة.
> العناد والجهل والضلالة جعلت أعضاء المجلس الموقر يحلفون ويقسمون على المحافظة على دستور غير موجود.
> سبحان الله.. هل يمكن أن يتحول شعار «الموت فى سبيل الله أسمى أمانينا» إلى «الاستحواذ على المجلس أقصى أمانينا».
الشارع يعاقب الحكومة
جاءت انتخابات مجلس الشورى مخيبة لآمال الحكومة ومحققة لإرادة الشعب، وكأنها كانت نوعاً من العقاب للحكومة، قال الشعب إنه لا يريد مجلس الشورى، لأنه ليس له مهمة مجدية بين المهام البرلمانية، ولأن الأوضاع التى أوجبته أول مرة انتهت، واقترحنا عليها أن ينتخب على أساس المهن بحيث يكون مجلس الشعب ممثلاً عاماً للأمة، ويكون مجلس الشورى تمثيلاً لها على أساس تكوينها المهنى، فتمثل كل مهنة «المهندسين.. المعلمين.. المحامين.. الصحفيين.. العمال.. الفلاحين.. الاتحادات الرياضية.. والاتحادات الاجتماعية والأدبية»، فتستكمل النقص الذى حدث لعدم تمثيل مجلس الشعب لفئات ومهن معينة.
وهذا التمثيل هو فى صميم التمثيل الاشتراكى، وهو الأصل فى «السوفييت»، ولولا فكرة لينين عن الحزب البلشفى وأنه وحده هو الذى يمثل الأمة لأخذت المجالس النيابية فى كل الدول الاشتراكية بنظام السوفييت.
كما أنه قريب من النظام الإسلامى الذى يعتمد على «النقباء»، وهى سابقة جاءت من الرسول، صلى الله عليه وسلم، نفسه عندما قال للأنصار «ابغونى اثنى عشر نقيباً» عندما أراد أن يمارس الحكم.

موسوعه حكم مصر من بداية عهد الفراعنة https://youtu.be/jJ